الدول والشعوب الإفرنجية في أوربة وأمريكة لسكوتهم عنها، بل إقرارهم إياهم
عليها، فهل هذه هي المسيحية التي يبذلون الملايين في سبيل دعوتنا إليها؟ وهل
هذه هي الإنسانية التي يفتخرون بدعواها؟
اختلفت دعاة النصرانية في مؤتمرهم الذي عقدوه للنظر في وسائل تنصير
المسلمين: هل إله المسلمين هو إله النصارى أم لا؟ فقال قس من أكبر قسوسهم:
إن إله المسيحيين غير إله المسلمين؛ لأنه دين محبة ورحمة، وإله المسلمين ليس
كذلك.
فأين هذا القس المحب الرحيم الآن؟ لا أراه إلا فرحا مسرورا مع قومه
بفظائع الصليبيين في البلقان، فإنه هو وأمثاله قد اتخذوا المسيحية آلة للشهوات
واللذات وسعة الملك واستعباد الأمم والشعوب، وهم أبعد خلق الله عن دين المسيح
عليه الصلاة والسلام، وعن دين بولس الذي تمثله الكتب والرسائل التي يسمونها
العهد الجديد أيضا.
وإذا كان هذا شأن رجال الدين فيهم فكيف يكون شأن رجال السياسة المنافقين
الذين ينفثون في أرواحهم سموم العصبية الدينية، ويغرونهم بإفساد عقائد الناس،
ويعينونهم على ذلك بالنفوذ والمال، وإذا لقوا أحدا من أهل الملل الذين يغرونهم بهم
ادعوا أنهم يمقتون العصبية الدينية وأهلها، وأنهم لا يدينون بدين إلا دين الإنسانية
العامة، وهم بهذا الوجه الذي يلقون به المسلمين وغيرهم من أهل الملل الشرقية
المخالفة أشد إفسادا في الدين والاجتماع من دعاة دينهم، فإن الذين أفسد عليهم
الإفرنج دينهم باسم الإنسانية، أضعاف أضعاف الذين أفسدوا دينهم ودنياهم باسم
المسيحية.
صدق هؤلاء المنافقين تلاميذهم ومريدوهم من المسلمين وغيرهم، وظنوا فيهم
الخير، وتوهموا أنهم بترك الدين وحل رابطته والدعوة إلى رابطة أخرى يسلكون
طريقهم في الترقي المادي، وإنما يهوون في مهواة التدلي والانقراض.
إلا أنه قد وجد فينا الحكماء العارفون، وطالما حذروا وأنذروا، فعلت أصوات
الخادعين أصواتهم فلم تعتبر بها الأمة، وإننا نذكرها الآن بنبذة من مقالة التعصب
إحدى مقالات العروة الوثقى التي نشرناها في المنار من قبل ونقلتها بعض الصحف،
وهي منشورة أيضا في بعض الكتب.
بين الأستاذ رحمه الله في أول تلك المقالات معنى التعصب في اللغة
والاصطلاح ومفاسد الغلو فيه ومدح الاعتدال، وما ثبت في التاريخ من غلو
الأوربيين في تعصبهم، وإبادتهم للمخالفين لهم، وتسامح المسلمين وتساهلهم، ثم
بين غرضهم من تنفير المسلمين خاصة من التعصب الديني مطلقا، وإن كان معتدلا
لا يترتب عليه شيء من إيذاء المخالفين، وهو أن يحلوا رابطتهم ويتمكنوا من
إزالة سلطانهم، وبين كون الموافقين لهم المخدوعين بسحرهم يخربون بيوت
أنفسهم بأيديهم وأيدي أعدائهم، ثم قال:
(هذا أسلوب من السياسة الأوروبية أجادت الدول اختباره وجنت ثماره
فأخذت به الشرقيين لتنال مطامعها فيهم، فكثير من تلك الدول نصبت الحبائل في
البلاد العثمانية والمصرية وغيرها من الممالك الإسلامية، ولم تعدم صيدا من
الأمراء المنتسبين إلى العلم والمدنية الجديدة، واستعملتهم آلة في بلوغ مقاصدها من
بلادهم، وليس عجبنا من الدهريين والزنادقة ممن يتسترون بلباس الإسلام أن
يميلوا مع هذه الأهواء الباطلة، ولكنا نعجب من أن بعضا من سذج المسلمين مع
بقائهم على عقائدهم، وثباتهم في إيمانهم، يسفكون الكلام في ذم التعصب الديني
ويلهجون في رمي المتعصبين بالخشونة والبعد عن معدات المدنية الحاضرة، ولا
يعلم أولئك المسلمون أنهم بهذا يشقون عصاهم ويفسدون شأنهم، ويخربون بيوتهم
بأيديهم وأيدي المارقين، يطلبون محو التعصب المعتدل، وفي محوه محو الملة
ودفعها إلى أيدي الأجانب يستعبدونها ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء، والله
ما عجبنا من هؤلاء وهؤلاء بأشد من العجب لأحوال الغربيين من الأمم الإفرنجية
الذين يفرغون وسعهم لنشر هذه الأفكار بين الشرقيين، ولا يخجلون من تبشيع