تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الدكتور

... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد توفيق صدقي

البقية تأتي

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) حاشية: اعلم أن الذي اضطره إلى هذا التصريح هو أنه وجد أن بعض الناس وخصوصا اليهود المتنصرين يفضلون الرسل عليه ولا يذعنون له ولا يثقون بتعاليمه إلا إذا سألوا الرسل عنها، وأقروها فأثار ذلك حقده وغضبه حتى لم يقدر أن يكظم غيظه فكتب في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس ما يظهر به أنه أفضل من هؤلاء الرسل الذين اتخذوهم حجة عليه، وأن أتباعه أكثر وأعماله أعظم (2 كو 11: 22 - 33) ولما وجد أن هذا الكلام لم يجد مع مخالفيه نفعا وأنهم لم يزالوا يعتبرون الرسل فوقه ويحكمونهم في أقواله وأعماله، اضطر أن يظهر في رسالته إلى أهل غلاطية أنه لا يبالي بهؤلاء الرسل مهما كانوا (2: 5 و6) وأن كل من خالفه منهم أو من غيرهم وأتى الناس بتعليم آخر غير تعليمه لهم - ولو كان ملكا من السماء - يكون ملعونا مطرودا من رحمة الله (غل 1: 8 و9) وأن تعاليمه لم يأخذها عن أي أحد منهم بل هي كما ذكرنا بوحي يسوع المسيح إليه (1: 11 و12) الذي رآه في السماء الثالثة وفي الفردوس وسمعه وكلمه (2 كو 12: 2-4) منذ سنين، فلا يجوز لهم إذا أن يحكموهم في أقواله وهو لم يقل: إنه أخذ شيئا عنهم أو إنه كان تلميذا لهم، بل قال: إنه تلميذ المسيح بالوحي ورسوله إلى الأمم وأنه أفضل من جميع الرسل (2 كو 11: 23) بعد أن كان يقول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: إنه أصغرهم وإنه ليس أهلا لأن يسمى رسولا (15: 9) فانظر وتعجب! ! ومما تقدم تعلم أنه لم يكن على وفاق تام مع الرسل ولا مع أتباعهم الحقيقيين، وخصوصا بعد أن علمت مخالفة يعقوب له في رسالته، وذم يوحنا له في رؤياه كما سبق بيانه، والظاهر من كتبهم القانونية أن بطرس كان مسالما له؛ وذاك لخوفه منه وضعف مواهبه عنه، ولكن يقال في خطب إكليميدس الروماني أن بطرس هذا كان أيضا يتتبعه ويحاربه ويكذبه، وكذلك قيل في رسالة بطرس ليعقوب (راجع كتاب دين الخوارق ص 318 و319) وكان كثير من آباء النصرانية الأقدمين يمقتونه ويرفضون رسائله، وكذلك الأبيونيون كافة، فالسبب الحقيقي في شهرته بين النصارى بعد هو اتباع الأمم غير اليهودية له وسرورهم بتعاليمه لسهولتها عليهم بسبب خلوها من جميع التكاليف الموجودة في غيرها؛ ولموافقة عقيدته في الخلاص بالمسيح لعقيدة الوثنيين في آلهتهم المتجسدة النازلة إلى الأرض لخلاص الناس؛ لذلك تهافتت تلك الأمم الرومانية واليونانية على هذه الديانة فنجح معهم بولس في ذلك نجاحا كبيرا، نعم كان بعض خاصة اليونانيين طلاب الحكمة الفلسفة لا يبالون بعقيدته في الخلاص بيسوع ويهزأون بها (1 كو 1: 18 و23) ومن كان منهم يعتقد مثلها في بعض آلهتهم اليونانية كان يسخر من بولس لجعله مخلص العالم رجلا من قومه اليهود وهم قوم محتقرون عندهم، ولكن عامة اليونانيين وجماهير الأمم الأخرى الوثنية كانت عقائدها تشبه من كل وجه عقيدة بولس في الخلاص بالصلب والموت، وإن كان مخلصوهم غير مخلص بولس (راجع مثلا كتاب ملخص تاريخ الدين ص 108 وكتاب المسحاء الوثنيين ص206، وكتاب شهود تاريخ يسوع ص 67) فسهل عليهم لذلك قبول أفكاره في يسوع وراجت بين الرومانيين شيئا فشيئا حتى عمتهم تقريبا وانتقلت إلى بعض الخاصة أيضا وما زالت هذه الديانة البولسية تنتشر بين الناس شيئا فشيئا لملاءمتها لذلك الوسط الروماني اليوناني الوثني إلى أن صارت هي الديانة الرسمية للدولة الرومانية بعد مضي نحو ثلاثة قرون عليها، ولولا أن مخلصها من اليهود المحتقرين عندهم لكانت أسرع انتشارا من ذلك بينهم لعدم مباينتها لعقائدهم إلا في أشياء طفيفة قليلة ولاشتمالها على بعض مبادئ اشتراكية (أع 4: 32 وإباحية كو 2: 16) أسهل بكثير مما في بعض الشرائع الأخرى كالموسوية ونحوها التي لا خلاص فيها بالإيمان وحده بل بأعمال شاقة كثيرة معه، ومنذ ذلك الحين صاروا يضطهدون الناس بعد أن كانوا مضطهدين، وكان منهم ما كان مما تتفطر لذكراه قلوب الراحمين، فزادت أيضا بهذا القهر والإكراه انتشارا، وإلى الآن تراهم على الضعفاء غالبا معتدين قاسين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢١٣