الطاغوت} (النحل: 36) [7] وقوله: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل
ورسلا لم نقصصهم عليك} (النساء: 164) .
أما عدم علمنا بهؤلاء الرسل فذلك لا يطعن فيما قرره القرآن؛ لغموض
التاريخ القديم ونقصانه واختلاطه كثيرا بالباطل، كما لا يطعن في صحة قصص
التوراة وغيرها من وجود بني إسرائيل في مصر، وخروجهم [8] منها وغرق
المصريين، وآيات موسى بينهم إلخ، لا يطعن في ذلك عدم وجود ما يؤيدها في
الآثار المصرية القديمة (راجع كتاب صدق المسيحية ص 204 و212 وكتاب
الأصول البشرية ص88 و89 و92) على أن العلماء المحققين قد أصبحوا الآن
يشكون في أكثر ما في التاريخ القديم من الحوادث والحكايات؛ لتعذر الوصول إلى
حقيقته حتى إنهم شكوا [9] في وجود مؤسسي الأديان المعروفة كموسى وعيسى ما
عدا محمد عليه الصلاة والسلام (راجع مثلا كتاب المسحاء الوثنيين ص 238
و239 وكتاب شهود تاريخ يسوع ص294 و295) .
ومما تقدم تعلم فساد، بل هذيان، ما في كتب المبشرين مثل كتاب (مصادر
الإسلام) وكتاب (علم الأعلام في حقيقة الإسلام) وغيرهما؛ فإن وجود أشياء
في القرآن مثل الموجودة عند الأمم الأخرى مما يؤيد صحة قوله: {شرع لكم من
الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى
أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى: 13) ونحوه مما سبق ذكره؛ فما في
كتبهم هذه يصح أن يكون حجة للقرآن لا عليه، ليتدبروا في ذلك إن كانوا يعقلون،
وللحق والهدى يطلبون.
* * *
فصل في بعض آيات القرآن في هذه المسألة السابقة
والمقارنة بينها وبين ما جاء في كتبهم عن المسيح وغيره
مما تقدم في الكلام عن الإنجيل تعلم الحكمة في كون القرآن الشريف لم يقل
في موضع ما منه: إن النصارى حرفت الإنجيل، كما قال مثل ذلك في اليهود
مرارا؛ لأن النصارى لم يكن عندهم في وقت من الأوقات (إنجيل عيسى)
فحرفوه كما كان عند اليهود (توراة موسى) فحرفوا بعضها ونسوا البعض الآخر
منها؛ فلذا قال تعالى في اليهود: {يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما
ذكروا به} (المائدة: 13) أما النصارى فلم يكن عندهم من الإنجيل إلا بعض
أقوال قليلة كما بين سابقا، ونسوا كثيره فلذا قال تعالى فيهم: {أخذنا ميثاقهم
فنسوا حظا مما ذكروا به} (المائدة: 14) أي: عقب المسيح مباشرة، كما يدل
عليه العطف بالفاء.
وهذه الأقوال القليلة التي حفظوها عن المسيح تناقلوها أولا بالروايات الشفهية
ثم كتبوها وضمنوها في كتب كانت تراجم لحياة المسيح، وسموها بالأناجيل وضموا
إليها ما شاءوا من الأقوال والحوادث المخترعة والحقيقية، ونسبوها كلها للمسيح
عليه السلام حتى اختلط عندهم الحق بالباطل بحيث يتعسر الآن أو يتعذر تمييز
جميع أقوال المسيح الصحيحة عن الأقوال المنسوبة إليه كذبا، وقد اعترف يوحنا
بأنه لم يكتب عن المسيح كل شيء (يو 21 و25) فلم يكن الإنجيل موجودا
وحرفوه، بل أضاعوا كثيرا منه، كما قال تعالى: ﴿فنسوا حظا مما ذكروا به﴾ (المائدة: 14) أي جزءا عظيما منه، وما بقي اختلط بكثير من الآراء المتنوعة
والمذاهب المختلفة باختلاف الأهواء والأغراض والعقول، فقد توخى كل من كتب
منهم إنجيلا في الأزمنة الأولى تأييد غرض أو مذهب مخصوص أدته إليه معلوماته
أو فلسفته كما سبق.
لذلك قال تعالى للنصارى: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا
كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} (المائدة: 77) وقال في أهل الكتاب عموما:
{وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب
ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم
يعلمون} (آل عمران: 78) وقال: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم
يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم
مما يكسبون} (البقرة: 79) .