(2) حاشية: إذا صح أن المراد من هذه العبارة صورة المسيح ورسمه، فلماذا إذا ينكر البروتستانت على الكاثوليك والأرثوذكس وضع الصور في كنائسهم ويدعون أنه لا مسوغ لهم في ذلك في كتبهم.
(3) يعتقد البروتستنت أن المسيح قال حقيقة هذه العبارة، وأنه هو أيضا الذي وضع لهم فريضة العشاء الرباني التي قال في أثنائها لهم: (خذا كلوا هذا هو جسدي - مشيرا إلى الخبز - وأخذ الكأس وأعطاهم قائلا: اشربوا منها كلكم؛ لأن هذا هو دمي) (مت 26: 26 -28) فبنى النصارى جميعا من قديم الأزمان على العبارة الأولى وما ماثلها (مت 18: 18) سلطة رجال الدين ووجوب الاعتراف لهم بالذنوب وقدرتهم على غفرانها إلخ، وعلى العبارة الثانية أن الخبز والخمر يستحيلان فعلا إلى جسد المسيح ودمه، وأنهم إنما يأكلون حقيقة إلههم (يسوع) ويشربون دمه في هذا القربان كما يفعل الوثنيون في آلهتهم، فلذا قست قلوب النصارى على بني البشر، من باب أولى، ما دام دينهم يأمرهم بأكل إلههم وشرب دمه، ولا أدري لماذا غضب على اليهود وعد عملهم به إساءة له مع أنه كان يطلب منهم ويود أن يأكلوا جسده ويشربوا دمه، انظر (يو 6: 52 - 59) وكأن ما فعلوه به أقل مما طلب، ولماذا لا يغضب على أتباعه الذين يفعلون به ذلك مرارا إلى اليوم؟ أتى البروتستنت في العصور المتأخرة وكذبوا النصارى جميعا في هذه المسائل وغيرها وأولوها لهم بغير ما عرفوه عن أقدم آباء النصرانية، ولكنا نعجب غاية العجب كيف أن جميع أتباع المسيح حتى أحدثهم به عهدا لم يفهموا مراده من تلك العبارة، إذا صح أنه هو قائلها، وبقوا على الضلال فيها إلى القرن السادس عشر، فلم يسمع عن أحد منهم ما يقوله البروتستنت فيها الآن، فإذا جاز عند البروتستنت أن يصل ضلال جميع النصارى في دينهم إلى هذه الدرجة وأن لا يفهموا مراد المسيح الحقيقي طول هذه القرون التي كانوا فيها يتخبطون في أعمالهم وعقائدهم، فكيف لا يجوز أنهم ضلوا في غير ذلك وكانوا فيه من الواهمين؟ وكيف إذا ينكرون حاجتهم إلى بعثة رسول الله، وإلى ما جاء به من الإصلاح الكامل الذي سبق به جميع مصلحيهم حينما كانوا لا يخطر على بالهم أنهم في دينهم واهمون، وفي الضلال هائمون؟ مع أنه لولا أن جاء عليه السلام ما اهتدوا إلى هذا الإصلاح، أو لتأخر رقي العالم في العلم والدين والمدنية إلى زمن أبعد وقرون أكثر، فإنه هو وأمته هم الذين نشروا كل ذلك في العالم القديم أجمع وأيقظوا النصرانية من سباتها العميق الطويل، فلو لم يكن مرسلا من الله فهل يعقل أنه تعالى الحكيم الرحيم بعباده يتركهم ضالين في أمورهم، حيارى في دينهم، ظالمين مفسدين، أغبياء
جاهلين، لا يعرف أحد منهم للصواب والحق اليقين والعلم سبيلا حتى كان أكبر قادتهم بولس يمدح الجهل ويذم الحكمة والحكماء، ويقبل الناس ذلك منه على أنه وحي من الله مقدس. (انظر مثلا
1 كو: 17 - 25 و27) فتركوا العلم وحرموا أنفسهم من استعمال العقل في كل شيء حتى ضلوا ضلالا بعيدا، فلذا جاء القرآن بعكس ذلك وذم في أكثر صفحاته الجهل والجهال والتقليد ومدح العلم والعقل والتفكر، وأوجب ذلك كله على المؤمنين فنهض بالعقل البشري نهضة لم يسبق بها كتاب: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب) (البقرة: 269) .
(4) يقول بعض العلماء الباحثين: إن الإسلام أوجد قديما - حينما كان الناس متمسكين بتعاليمه - أكبر دولة في العالم وأعظمها علما ورقيا ومدنية، وأنتج في كل علم ألوفا من كبار العلماء والفلاسفة والحكماء والمفكرين، وأما تعاليم المسيحية فما زالت تفت في عضد الدولة الرومانية، وهي دولتها الوحيدة إذ ذاك حتى قضت عليها، ولم تنتج في مئات السنين عالما واحدا من كبار المحققين بل كان رجال الدين منهم يمقتون العلم ويضطهدونه اضطهادا شديدا، وكلما ظهر بينهم أحد بدا عليه شيء من العلم أو التفكر ثاروا عليه وأخمدوا أنفاسه بأفظع طرق الإعدام بحجة مخالفته للدين ولنصوص كتابهم المقدس، وكل ذلك معروف مشهور فلا حاجة لنقل شواهده هنا، وكيف لا تضطهد ديانتهم هذه العلم والعلماء، وهي في كل عقائدها وتعاليمها مناقضة للعقل الصحيح والفطرة البشرية على خط مستقيم كما لا يخفى، وما ارتقت أوروبا إلا بعد أن تركتها بتاتا وأخذت بتعاليم أشبه بتعاليم الإسلام من كل شيء آخر وما نبغ بينهم الآن عالم محقق وفيلسوف كبير إلا وهو للمسيحية عدو مبين، أما فلاسفة المسلمين فكانوا في كل زمن أشد الناس حبا له، وتمسكا به، وغيرة عليه، فهل تستوي الظلمات والنور.