تصح الولاية ويبطل الشرط. اه المراد منه.
(2) لا يعدل عن مذهب الحنفية إلا في الأحكام التي لا تنطبق على
مصلحة الناس في هذا العصر، إذا حكم فيها بمذهبهم، وهذه حالة ضرورة أو
حاجة تنزل منزلة الضرورة، وبهذا الاعتبار تكون من مذهبهم؛ لأن الحكم
الذي تمس إليه الحاجة أو يضطر إليه يصير متفقا عليه.
(3) إن مذهب الحنفية واسع متشعب جدا بمعنى أن فيه كثيرا من
الأقوال في كل مسألة حتى قال كثير من فقهائه: إنه لا يوجد قول لمجتهد في
مسألة إلا وهو موجود في مذهبنا لأحد أئمتنا أو مشايخنا ولو ضعيفا، ومن المقرر
عندهم أيضا أن القول الضعيف يقوى بأمر الإمام بالعمل به، وقد ألفت لجنة من
العلماء مجلة الأحكام العدلية، وأخذوا فيها ببعض الأحكام التي لا تصح في مذهب
الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولكنها صحت في مذهب غيره وقالوا: إنها
وافقت أقوالا ضعيفة لعلماء الحنفية تقوت بأمر السلطان ووجب الحكم بها.
وإذا ألف علماء الأزهر الكتاب الذي اقترحه فضيلة مفتي الديار المصرية
في هذا التقرير ولم يجدوا الوجهين اللذين قبل هذا كافيين لجواز الحكم بموجبه
فيمكن طلب صدور الأمر به من السلطان أو نائبه إذا كان له هذا الحق ولا
يمكن أن مولانا السلطان عبد الحميد أو سمو عزيز مصر الحالي يتوقفان في
أمر رأى أكابر علماء الأزهر أن فيه مصالح المسلمين وحفظ حقوقهم. اه.
وأقول الآن: إنه كان يمكنني بيان حل آخر لهذا الإشكال يصح شرعا لا
سياسة، فتركته اتقاء فتن السياسة، وأما الحل الذي جرت عليه المشيخة
الإسلامية، وأذن به السلطان، فتنفيذه في مصر أسهل من تنفيذه في سائر البلاد
العثمانية؛ لكثرة علماء الشافعية والمالكية هنا، فإلى متى هذا التواني والإهمال
الذي ينفر الناس من الشرع؛ لظنهم أنه هو علة التضييق عليهم ويسيء ظنهم
بالحكومة والمسيطرين عليها؟
لو ألف علماء الأزهر اللجنة التي اقترحها الأستاذ الإمام ووضعت الكتاب
الذي أشار به، وطلبت الحكومة المصرية من شيخ الإسلام في الآستانة الفتوى
بالعمل، ثم أذن السلطان الذي يعبر عنه بالإرادة السلطانية - لكان هذا أرجى ما
يرجى للإجابة ولتجرئة الميالين إلى الإصلاح من علماء باب المشيخة في
الآستانة وغيرهم على تعميم ذلك.
جرت بيني وبين شيخ الإسلام موسى كاظم أفندي مذاكرة في داره عندما كنت
في الآستانة سنة 1318 تناسب ما نحن فيه، فقد أخبرني أنهم يشتغلون بوضع كتاب
في الجنايات وغيرها لأجل محاكم اليمن (وكان اليمانيون صرحوا بأنهم لا يقبلون إلا
الحكم بالشرع دون القوانين) قال شيخ الإسلام: لكن لا بد من إنشاء محكمة تجارية،
وأحسب أنه قال في الحديدة وفي صنعاء، لأن هنالك بعض اليهود وهم لا يرضون
بحكم الشرع؛ لأنه لا يجيز شهادتهم. فقلت له: إذا التزمتم مذهب الحنفية فيما
تضعونه من الأحكام المدنية والشخصية والجزائية فإن كثيرا من المسلمين لا يسهل
عليهم قبولها مختارين، وأما إذا اقتبستم من جميع كتب الشرع ولم تلتزموا كتب
مذهب واحد فإنه يسهل عليكم وضع كتاب موافق لمصلحة الناس لا يشكو منه مسلم
ولا غير مسلم، وشهادة غير المسلم تجدون لها حلا مرضيا في بعض الكتب المعتبرة،
وأنا زعيم بأنه ما من مشكلة إلا ويوجد لها حل كحل العقال بهذا الشرط، فقال الشيخ:
وأنا أعتقد هذا ولكن من يستطيع إقناع مشايخ الفتوى خانة به، إلخ، ولنا أن نقول:
إن من لم تقنعه الأقوال والأحاديث تقنعه الأحوال والحوادث رغم أنفه.
العبرة في هذه الحادثة:
لولا مطالبة الجمهور من أهل السليمانية والموصل لحكومة الآستانة بما ذكر
في فتوى شيخ الإسلام من الحكم بمذهب الشافعي الذين ينتمون إليه لما خرجت تلك
الفتوى والإرادة السلطانية بالحكم بها، وكنت سمعت من والدي رحمه الله تعالى أن
السلطان ولى على أهل السليمانية قاضيا شافعيا لأنهم كتبوا إليه أنهم لا يقبلون قاضيا