تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لنجد فيها الوسيلة إلى وقاية الأعراض والأنفس، مع أن المحافظة عليهما من

أهم مقاصد الدين الإسلامي والشريعة السمحة، ولا نعدم في نصوصها وسيلة

إلى أهم ما جاءت له.

كل ذلك يجب أن يوضع بين يدي لجنة من العلماء ليستخرجوا من

الأحكام الشرعية ما فيه شفاء لعلل الأمة في جميع أبواب المعاملات خصوصا

ما لا يمكن النظر فيه لغير المحاكم الشرعية من الأحوال الشخصية والأوقاف

ويكون ما يستخرجونه كتابا شاملا لكل ما تمس إليه الحاجة في تلك الأبواب

ويضم إلى ما يستخلص في أبواب المرافعات الشرعية، ويصدر الأمر بأن يكون

عمل القضاة عليه، فإذا أغمض عليهم أمر راجعوا فيه من يكون في وظيفة

إفتاء الحقانية أو الديار المصرية، وعليه أن ينظر فيه بنفسه أو مع لجنة

العلماء على حسب الحاجة. اه.

(المنار)

ليعلم القارئ أن هذا الاقتراح لم يقبل ولم تعمل به الحكومة المصرية على

شدة الحاجة إليه، لا لإقامة العدل فقط بل لحفظ الدين أيضا، وكان من سبب

ذلك جمود قاضي مصر الذي يجيء من الآستانة وتعصبه، وجمود سائر

القضاة والعلماء وعدم اهتمامهم، ولو أنهم اجتمعوا وألفوا الكتاب الذي اقترحه

الأستاذ الإمام وطالبوا الحكومة بتنفيذه لفعلت. فهذا الجمود والإهمال من

العلماء قد كان أكبر أسباب اقتباس الحكومتين العثمانية والمصرية

للقوانين الأوربية، واتسع التشريع الأوربي بمصر أكثر من الآستانة؛

لأن نفوذ العلماء فيها أضعف، وعنايتهم بشئون الحكومة أقل.

ومما جعل عقبة في طريق تنفيذ اقتراح المفتي زعمهم أن الحكم لا يجوز

أو لا ينفذ إلا بمذهب السلطان مع أن السلطان أمر قضاة البلاد العثمانية بإنابة

من يحكم بغير مذهبه عند الحاجة وتنفيذ ما يحكمون به، وإنني عند طبع

التقرير سنة 1317 ونشره كتبت له مقدمة بحثت فيها في هذه المسألة بحثا فقهيا أزلت

فيها الشبهة، ومهدت السبيل للعمل بالحنيفية السمحة، فقلت في بيان الأمر الثالث من

الأمور الإصلاحية التي اشتمل عليها التقرير وأعدت نشرها هنا آنفا ما نصه:

الأمر الثالث: أن تؤلف لجنة من العلماء لاستخراج كتاب في أحكام

المعاملات الشرعية ينطبق على مصالح الناس في هذا العصر لا سيما في

الأحكام التي هي من خصائص المحاكم الشرعية، يكون سهل العبارة لا خلاف فيه

كما عملت الدولة العلية في مجلة الأحكام العدلية. ولا يكون هذا الكتاب وافيا

بالغرض واقيا للمصالح إلا إذا أخذت الأحكام من جميع المذاهب الإسلامية

المعتبرة ليكون اختلافهم رحمة للأمة، ولا يلزم من هذا التلفيق الذي يقول الجمهور

ببطلانه كما لا يخفى [3] .

وقد أشير في صفحتي 38 و 40 من التقرير إلى عدم التقيد بالمذهب الحنفي،

وتوهم بعض الناس أن هذا يمس حقوق مولانا الخليفة، وأن الأحكام بغير مذهب

الحنفية لا تصح ولا تنفذ لهذا، ونجيب عنه بأمور:

(1) جاء في كتاب الأحكام السلطانية ما نصه: فلو شرط المولى وهو

حنفي أو شافعي على من ولاه القضاء أن لا يحكم إلا بمذهب الشافعي أو أبي

حنيفة - فهذا على ضربين: أحدهما أن يشترط ذلك عموما في جميع الأحكام، فهذا

شرط باطل سواء كان موافقا لمذهب المولي أو مخالفا له، وأما صحة الولاية فإن لم

يجعله شرطا فيها، وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي، وقال: قد قلدتك القضاء

فاحكم بمذهب الشافعي رحمه الله، على وجه الأمر، أو: لا تحكم بمذهب أبي حنيفة

على وجه النهي - كانت الولاية صحيحة والشرط فاسدا سواء تضمن أمرا أو نهيا،

ويجوز أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده سواء وافق شرطه أو خالفه، ويكون اشتراط

المولي لذلك قدحا فيه إن علم أنه اشترط ما لا يجوز ولا يكون قدحا إن جهل، لكن لا

يصح مع الجهل أن يكون موليا لا واليا، فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد

الولاية فقال: قد قلدتك القضاء على أن لا تحكم فيه إلا بمذهب الشافعي أو بقول أبي حنيفة - كانت الولاية باطلة؛ لأنه عقدها على شرط فاسد، وقال أهل العراق:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٢٧