يحكم بغير مذهبهم الذي يدينون الله به، ولا أدري أكان ذلك على ظاهره كما بلغه أم
هو تكبير لصدور الإرادة بفتوى شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي كما هو شأن الناس في
تكبير الأخبار عند ما ينقلونها من قطر إلى قطر.
وكيفما كانت الحال فالعبرة التي يجب أن يفهمها عامة المسلمين من هذه
الواقعة هي أن الجمهور إذا عرف كيف يطالب الحكومة بالإصلاح فإنها لا
تجد لها مندوحة من إجابته إلى طلبه، وأن استمرار الحكام والعلماء على
شيء وإصرارهم على الجمود عليه باسم الشرع أو السياسة، ليس برهانا قاطعا
على كونه حتما لا مرد له ولا مصرف عنه، وأنه يمكن تقويم العامة للخاصة
كما يمكن العكس، ولكن آفة العامة الجهل، فهي لا تدري ماذا يجب أن تطلب
من إصلاح أمرها، وآفة الخاصة فساد الأخلاق فهو الذي يحول بينها وبين العمل بما
تعلم من إصلاح أمر الأمة.
إلى الله نشكو مرض عامتنا وخاصتنا جميعا، وعلاج هذا المرض - أو
الأمراض - يتكلم فيه الناس، فيخلطون الخطأ بالصواب ويعز من يعرفه معرفة
تفصيلية تامة ويعرف كيفية تنفيذه، وهذا العارف العزيز يعز عليه أن يفرغ معرفته
في قلب غيره؛ لأن مسائل العلوم الاجتماعية يدعيها جميع الناس، وقل أن يعرف
حقيقتها منهم أحد.
يقولون: التعليم، ويقولون: التربية، ويقولون: الجرائد والمجلات،
ويقولون: الأحزاب والجمعيات، وأكثرهم لا يعرف حق ذلك من باطله، فنحن
نرى فسادا كبيرا دخل على الأمة من قبل هذه الأشياء، فالعبرة بروح التربية
والتعليم والصحف والأحزاب والجمعيات، لا بصورها وأشكالها، وهذه الروح
لا تكون صالحة مصلحة إلا إذا كان القائمون بهذه الأشياء صالحين مصلحين،
فهل من السهل أن تعرف الأمة من عساه يوجد فيها من هؤلاء الرجال فتكل
أمر الإصلاح إليهم؟ أنى ذلك وعوامها جاهلون، وخواصها يخافون من كل
مصلح على جاههم الذي يستغلون به جهل العامة، فينفرون وينفرون منه، وينهون
عنه وينئون عنه.
ليس هذا الموضع بالذي يسع الإطناب في هذا البحث - والمغرور بجهله
المركب الذي يحسبه علما لا يفيده إيجاز ولا إطناب - وإنما نريد أن نذكر المستعد
للفهم والاعتبار بأن دون ما يشتهون من حكومة لهم تحكم بينهم بشريعتهم
عقبات أمنعها على المقتحم جمود المتدينين، وأهونها جحود المتفرنجين؛ لأن هؤلاء
لا يزالون هم الأقلين، وإذا دام هذا الجمود فسيكونون الأكثرين، ويعم سلطان ما
ينسخ به الشرع من القوانين، ويتبع ذلك انحلال عقدة الدين، فأما الوسيلة لحياة
الإسلام وحفظ شرعه فهي واحدة لا تعدد فيها، ولا يمكن الجمع بين الدين الحق
والمدنية الصحيحة بدونها، ألا وهي المبادرة إلى تربية طائفة عظيمة من خيار
نابتة المسلمين؛ ليكونوا دعاة ومرشدين، ينهضون بهذه الأمة، ويخرجون بها من
هذه الغمة، وهذا هو الذي تحاوله جماعة الدعوة والإرشاد، فعلى من كان على
رأيها أن يتعاهدها بالإسعاد والإمداد {فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله
إن الله بصير بالعباد} (غافر: 44) .
-----------------
<span class="footnote">
(*) نشر هذه الرسالة بهذا العنوان في مجلة المقتبس الشهيرة صديقنا علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي نزيل مصر الآن، ورغب إلينا أن ننشرها في المنار لزيادة الفائدة.
(1) المنار: أي مترجما بالعربية عن الأصل الذي هو بالتركية.
(2) المرسل صفة للحكم معطوفة، ويفهم منه أن أهل الموصل كانوا استأذنوا من المشيخة الإسلامية أن يحكم بينهم بمذهب الشافعي فأذنت لهم.
(3) بينت في محاورات المصلح والمقلد نقض قولهم ببطلان التلفيق وكون مذهب الحنفية ملفق من ثلاثة مذاهب.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">