فإذا سدت جميع هذه الثقوب اختنق ما في داخلها ومات، وسدها أيضا بمثل الشمع
أو الصمغ يحفظ البيضة من الفساد؛ فإنه يمنع دخول الميكروبات إليها، ويلي هذه
القشرة طبقة أخرى رخوة، ثم بياض البيض (الغرقئ) : وهو يتركب من مواد
زلالية مع قليل من الدهن والملح، ووظيفته تغذية جنين الطير، وهو محيط بالمح
(الصفار) من جميع الجهات، أما (المح) : فهو عبارة عن خلية حية كبقية
الخلايا الحيوانية، ولها نواة يبتدئ فيها تكون الجنين بانقسامها، وتغذيها بما حولها
من المواد المغذية، والمح يتركب أكثره من مواد دهنية وأملاح مع قليل من الزلال
المسمى جلوبيولين، ولا يحصل هذا الانقسام في النواة إلا إذا كانت ملقحة بالحيوان
المنوي للذكر، ومدة التفريخ للدجاج 21 يوما، أي ثلاثة أسابيع.
والبيض مغذ جدا، سهل الهضم إلا إذا طبخ طبخا شديدا؛ فإن ذلك يجمد
مواده، ويجعلها عسرة الهضم، وإذا شرب منه جزء بدون طبخ، أو مع طبخ قليل
أفاد الجسم وغذاه، غير أن الإفراط فيه مما يتعب الكلى، وقد ينزل جزء من زلاله
في البول.
ولمعرفة البيض الجيد من البيض الفاسد تذاب أوقيتان من ملح الطعام في
نصف لتر ماء، فإذا غرقت البيضة في هذا السائل دل ذلك على جودتها، وإلا
كانت فاسدة مشتملة على غازات ناشئة من الفساد هي السبب في خفتها.
(3) العسل:
هو في الأصل ما تجمعه النحل من رحيق الأزهار، ثم تحوله في معدها إلى
هذه المادة المخصوصة، ثم تلقيه من أفواهها في خلاياها مصداقا لقوله تعالى
﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه﴾ (النحل: 69) وفائدة العسل للنحل
تغذية صغارها [23] به.
والعسل يشمل أنواعا من السكر أهمها سكر العنب مع مواد عطرة، وفيه
أيضا جزء من الأبور (وهو المادة التي تسميها الإفرنج (pollen) وهي عبارة
عن عنصر الذكر في الأزهار الذي تلقح الأنثى به، والأبور مادة بروتوبلازمية حية
أي مشتملة على زلال وغيره، ولذا كان العسل مشتملا على كثير من العناصر
الضرورية للحيوانات، أما شمعه فلا يهضم، ولا يكتسب منه الجسم شيئا.
والعسل مغذ جدا، سهل الهضم للغاية، بل إن سكر العنب الذي فيه لا يحتاج
إلى العصارات الهاضمة؛ فإنه يمتص بدونها، والعسل ملين مقو للجسم، وبسبب
سهولة هضمه، وتقويته للجسم، وإحداثه اللين كان نافعا في كثير من الأمراض
فيجعل الجسم قوي المقاومة لأنواع كثيرة من الميكروبات، وقد يتغلب عليها بسبب
ذلك، فهو نافع في سائر الأمراض التي تنهك القوى كالسل، والسرطان، والأنيميا
والبللغرا، وفي الحميات وغير ذلك حتى قال بعضهم إنه نافع في البول السكري؛
ولكن ذلك لم يثبت الآن عند الجمهور.
وهو يحرض شهوة الطعام أيضا، ويكثر من إفراز المعدة، ومن اللعاب
فيرطب الحلق، ولذا كان نافعا في التهاب اللوزتين، والحلقوم، وفي السعال. كل
ذلك يؤيد قوله تعالى ﴿فيه شفاء للناس﴾ (النحل: 69) وقد يجوز إعطاؤه أيضا
في أحوال الاضطرابات المعدية المعوية؛ لأنه سهل الهضم جدا مساعد عليه - كما
قلنا -، فلذا ينفع المصابين بعسر الهضم، ويجوز إعطاؤه في أول الأمر للمصابين
بالذرب، كما يعطى زيت الخروع بقصد تنظيف القناة الهضمية من المواد التي
تحدث تهيجها، ويحسن إعطاؤه ملينا للأطفال بدل زيت الخروع؛ فإنه ملين لذيذ
الطعم تشتهيه أنفسهم، ومن ذلك تعلم حكمة وصف رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - العسل لمن أصيب بإطلاق بطنه بقصد تنظيف القناة الهضمية، وتغذية
المريض به لسهولة هضمه، ويشبه ذلك وصف الأطباء غذاء اللبن في الذرب مع
أنه يسهل كثيرا من الناس.
ومن أحسن الأغذية النافعة للحميات العسل مع اللبن؛ فإن العسل يحترق في
الجسم، ويوفر احتراق أجزائه الأخرى بسبب الحمى، وذلك مما يعين الجسم على
التغلب عليها. هذا وإن عسل النحل الذي تجمعه من أزهار سامة يحدث أعراض
التسمم لمن يطعمه، وكذلك الحال في ألبان الأنعام التي تأكل نباتات سامة، فيجب