ومن حرب الصحابة الذين كان أكثرهم أميين؟ تلك الحرب التي لم يعرف التاريخ
البشري مثلها في رعاية الحق والعدل والورع، واستعمال الرأفة والرحمة في السر
والعلن، بل شهد فيلسوف التاريخ والاجتماع (غوستاف لوبون) للعرب كلهم بذلك
فقال: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب، فبذلك العصر النوراني
فليفاخر المفاخرون، لا بعصر الوحشية المنظمة التي جاء بها القرن العشرون.
هل نقل ناقل أو قال قائل إن أحدا من الصحابة - عليهم الرضوان - أو
ممن حارب معهم من التابعين انتهك عرضا، أو قتل شيخا، أو امرأة، أو غلاما،
أو سلب لأحد من أعدائه مالا، أو هدم كنيسة أو ديرا، أو قتل راهبا، أو قسيسا؟
أو مثل بقتيل، أو أجهز على جريح؟ كيف وقد كان الرسول - صلى الله عليه
وسلم - يوصيهم بمثل قوله: " انطلقوا بسم الله وبالله، ولا تقتلوا شيخا فانيا [1] ،
ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، {وأحسنوا إن الله
يحب المحسنين} (البقرة: 195) رواه أبو داود من حديث أنس بن مالك،
وروى أحمد من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إذا بعث جيوشه قال: (اخرجوا باسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله،
لا تغدروا، ولا تمثلوا [2] ، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع) .
ومن وصايا الخليفة الأول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - المقتبسة من
مشكاة النبوة ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر بعث جيوشا
إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان، وكان يزيد أمير ربع من تلك
الأرباع فقال: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا
هرما، ولا تقطع شجرا مثمرا، ولا تخرب عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا
لمأكله، ولا تعقرن نخلا ولا تحرقه، ولا تغلل ولا تخبن [3] .
نعم قد كان يقع قليل من الشذوذ يقابل بالإنكار، إلا إذا دفع إليه الاضطرار،
والنادر لا حكم له، روى الشيخان وأصحاب السنن ما عدا النسائي وغيرهم عن
ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم-
فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان.
وروى أحمد، وأبو داود، والنسائي وابن ماجه، وغيرهم عن رياح بن
ربيع: أنه خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها، وعلى
مقدمته خالد بن الوليد فمر رياح وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها؛ حتى لحقهم رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته، فأفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وقال: (ما كانت هذه لتقاتل - وقال لأحدهم - الحق
خالدا فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا) [4] ، وروى أبو داود في مراسيله عن
عكرمة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال:
(من قتل هذه؟) فأخبره رجل أنه كان غنمها فلما رأت الهزيمة أهوت إلى قائم سيفه
لتقتله به؛ فقتلها قبل أن تقتله. ولا أتذكر قتل امرأة في مغازى النبي - صلى الله
عليه وسلم - غير هاتين إلا تلك المرأة اليهودية التي أمرها زوجها أن تلقي الرحى
على بعض المسلمين في غزوة بني النضير ليقتلوها فلا تعيش بعده إذ كان موطنا
نفسه على أن يقاتل حتى يقتل ففعلت.
وقد كان رفق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنساء أعظم من ذلك فقد روى
ابن إسحاق أن بلالا مر بصفية وابنة عم لها على قتلى يهود بعد سقوط حصن بني
أبي الحقيق، فلما رأت المرأة القتلى صكت وجهها، وصاحت، وحثت التراب
على وجهها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبلال " أنزعت الرحمة من قلبك
حين تمر بالمرأتين على قتلاهما؟) .
ومن ضروب العبرة في حرب المدنية الأوربية كثرة ما يتقاضونه من البلاد
التي يفتحونها من الغرامات، وما يفرضونه عليها من الإتاوات، وقد كان المسلمون