تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حسب اعتقادهم - يخدمون الباطل وهم لا يقصدون، والحقيقة أن تعاليم الجنرال

برنهاردي مطابقة تمام المطابقة لتعاليم أرسطوطاليس كبير الفلاسفة، لولا ما بها من

تجسيم يبلغ حد الغلو أحيانا فضلا عن خلوها من رابط متين يربط الحق بالقوة كما

سترى.

***

(2)

إن الأساس الذي بنى عليه الجنرال برنهاردي كتابه هو التعليم القديم القائل إن

(الحق للقوة) ، والدعامة التي دعم بها ذلك الأساس هو تعليمه القائل بأن كل الآراء

المتعلقة بالحياة الاجتماعية والسياسية تكون آراء مضرة إذا تجاهلت كون الحق للقوة؛

لأنها أي الآراء ليست في هذا التجاهل سوى رياء وتضليل.

وبموجب تعاليم برنهاردي يكون الاشتراكيون مرائين، ويكون الراديكاليون

المتطرفون أكثر رياء وخداعا، ليس ذلك فقط بل إن كل الفلاسفة الذين يخالفون

مذهب دارون القائل ببقاء الأنسب بعد التنازع لأجل البقاء، قد أضروا الهيئة

الاجتماعية؛ لأنهم دلوها على التواكل والاستسلام، وعلموها الحيلة والرياء،

وأبعدوها عن القوة - وهي الفضيلة المقدسة التي هي أساس كل الفضائل.

وللجنرال برنهاردي فضل عظيم في أنه شرح هذه التعاليم العملية، وحاول

تطبيقها على حالة أوربا السياسية الحاضرة، ولا شك في أنه صادق فيما يقول عن

القوة وتقديسها - تلك القوة التي صار الشعب الإنكليزي - تذكر أن الكاتب عالم

إنكليزي - يستخف بها، وينسبها إلى قبائل الزولوس المتوحشة حتى أنه أصبح في

الآونة الأخيرة يبالغ في تحقيرها وتحقير كل أمة تعتمد عليها؛ ولكن لما نشبت

الحرب الحاضرة أدرك الشعب خطأه وعلم أن من دون الاعتماد على القوة خطر

الغزوة الألمانية، وبالتالي خطر فناء إنكلترة من العائلة السياسية الكبرى.

ولا جدال في أن القوي تغلب يوما على الضعيف جاره، واحتفظ بمركزه

المتفوق بالقوة الوحشية، وهذا ينطبق على الأمم كما على الأفراد، ولا جدال أيضا

في أن كل حكومة راقية تضمن لأبنائها المتفردين بالقوة أفضل المراكز ولو على

حساب المجموع؛ لأن مجموع الأمة يستفيد منهم، وكما أن الأم يجب أن تكون قوية

جدا، حتى تتمكن من الاعتناء بطفلها الضعيف، كذلك يجب على رجلها أن يضمن

لها التقوية محافظة عليها، وعلى صغيرها. هذا الشطر الأول من كتاب برنهاردي،

وأظن أن الأندية العلمية والسياسية عندنا سلمت بصحته فورا.

أما الشطر الثاني الذي أقام العلماء وأقعدها، فهو كلام ذلك الجنرال الألماني

عن علاقة الأمة الواحدة بغيرها من الأمم الأخرى؛ فإن ذلك الكلام يقرر أن أفراد

الأمة الواحدة يجب عليهم التضامن، والتكاتف، وتبادل الصدق، والولاء،

والعطف، والمحبة بعضهم مع بعض فقط حسبما ورد في مثل الزوج والزوجة

ومسؤوليتهما نحو طفلهما الضعيف، أما في علاقة الشعب بغيره من الشعوب

القريبة فالجنرال برنهاردي يقول بصراحة: إن لا رحمة، ولا شفقة، بل ويل

للضعيف في تنازع البقاء؛ لأن القوة وحدها هي الحكم الأخير في العلاقات

العمومية، وبقاء الأنسب يقضي بانقراض الضعيف، إن لم يكن اليوم فغدا.

وبجملة أوضح أقول: إن أركان حرب ألمانية يقولون بالحق، والعدالة،

والرحمة بين أبناء العائلة السياسية الواحدة؛ ولكن يقولون بمعاملة الغريب على

قاعدة بقاء الأنسب - أي على قاعدة الحق للقوة، وعند درس هذا المذهب بنزاهة

وإنصاف نرى أنه ليس مذهبا جديدا، ولا مخالفا لما نراه جاريا في الكون، سواء

أردنا ذلك أم لم نرده، إذن لا أرى أن الذين خطئوا برنهاردي هم من القوم

المصيبين المنصفين [4] .

نعم إن عندنا شرائع تضمن العدالة، وتجبر الحكومة على إجرائها حفظا

لحقوق الضعيف من جاره القوي؛ ولكن هذه الشرائع، وتلك العدالة تسري على

أبناء الأمة الواحدة فقط، أما على غيرنا من الأمم والحكومات فمن ينكر أننا لا

نعاملهم بما يعامل به بعضنا بعضا، إن نكران هذا الأمر هو الرياء بعينه، وهذا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٥٣