السلاح أمرا لازما، غير أن مسؤولية رجال الحكومة في أثناء الحروب السياسية
تقضي عليهم بالمحافظة على مصالح الشعب، وإنماء ثروته، هذه هي الغاية الأولى
لهم. أما الواسطة فخاضعة لحكم الظروف، فإذا كانت الظروف تحوجهم إلى
إطراح المبادئ النظرية الأدبية جانبا، فلهم ذلك لأنهم بهذا الانحراف يخدمون
المصلحة العمومية لا المصلحة الفردية، وإذا رأوا الخطر محدقا بالشعب فعليهم
مباغتة العدو، والغدر به قبل أن يتم معداته حتى يقضوا على قواه الهجومية
والدفاعية، ويأمنوا شر تنازعه إياهم منافع البلاد، وثمار أراضيها، ومعاملها،
وهذا لا يأتي إلا بإنماء القوة المحسوسة وازديادها، ولذلك كانت القوة مظهرا من
مظاهر العدالة؛ لأن الحروب عدل، وبها وحدها تثبت العدالة على أساس متين.
وبرهانا لذلك أقول:
لنفرض أن أمة إبان ضعفها خضعت بحكم السيف إلى جارها القوي، وسلمت
معه بشروط مكتتبة على ورق سموها معاهدة، ولنفرض أن تلك الأمة الصغيرة
صارت قوية على تمادي السنين فرأت أن تلك الشروط التي كانت قد رضيت بها
أولا في أيام ضعفها صارت ثقيلة عليها، تضر بمصالح الشعب في أيام قوتها.
فالشعب في هذه الحالة الأخيرة صار يرى ذاته مغدورا مغبونا، وإذا هب
إلى تمزيق المعاهدة الأولى المجحفة بحقوقه فعمله هذا هو العدل بعينه، ولا يمكن
أن ترضى العدالة المجردة بغبن شعب كامل وغدره، ليس ذلك فقط بل إننا لا نقدر
أن ندعو الإذعان لشروط مجحفة عدالة وفضيلة، بل إن العدالة تقضي بتمزيق
المعاهدة المضرة الجائرة بواسطة المفاوضات السياسية أولا التي أدعوها حربا بطيئة
كامنة؛ فإذا نجحت فيه، وإلا فاستعمال السيف، والمدفع يصبح أمرا واجبا - ولا
يمكن أن يوجد الحق ويثبت ما لم يكن مؤيدا بالسيف، ومدعوما بالمدفع وقوة الساعد،
ولذلك كانت الحرب فضيلة. أي أن الحرب أمر ضروري للمجتمع الإنساني؛ لأنه
رمز العدالة، ومنشئ الشجاعة والجرأة في الأمة، ورفيق الحق والمطالبين به،
وإذا تركت الحرب تجبن الأمة عن المطالبة بحقوقها؛ فتبقى مغبونة مقهورة
ذليلة، ومثلها لا يثبت في ميدان تنازع البقاء؛ لأن ناموس بقاء الأنسب يقضي
عليها إن عاجلا أو آجلا، والأنسب هو الأقوى في كل حال.
هذه هي زبدة تعاليم الجنرال فون برنهاردي المدونة في كتابه الجديد (المنطق
والمبادئ في الحروب) ودونك مجمل الانتقاد العلمي الفلسفي البديع الذي نشرته
مجلة القرن التاسع عشر الطائرة الصيت في عددها الأخير قالت:
تعليق مجلة القرن ال 19 على الكتاب الألماني:
ليس الجنرال فون برنهاردي وحده القائل هذا القول، ولا هو من وضع هذه
الفلسفة، أي فلسفة القوة والاعتماد عليها وحدها لأجل تثبيت الحق والعدالة، بل إننا
إذا أمعنا النظر، نرى أن معظم علماء الألمان وفلاسفتهم قالوا بهذا الرأي ونشروا
مثل هذه التعاليم من أرنست هكل العالم الطبيعي المعروف زميل شارلس دارون إلى
نياتش المادي الشهير، وغيرهما كثير، وليس من العدل والإنصاف أن نقلل من
أهمية هذه التعاليم لمجرد أنها صادرة عن أعدائنا؛ فإن (العلم مشاع بين جميع الأمم
وليس لوطنه حدود) فلندرس إذا مبادئ الجنرال برنهاردي، وتعاليمه بكل نزاهة
ولنمحصها في بوتقة التحري بقطع النظر عن قائلها.
قال أرسطو الفيلسوف اليوناني القديم: إن الفضيلة هي الوسط بين متضادين،
أي أن الشجاعة مثلا هي فضيلة لأنها وسط بين الجبن والتهور، فالجبن رذيلة
لأنه دليل الذل، وصغر النفس، والتهور رذيلة أيضا؛ لأنه دليل الحماقة والكبرياء
وكل هذه العيوب الأخلاقية تدل على وجود مرض بعقل المصابين بها،
وخصوصا الغرور والكبرياء [3] ، وقس على ذلك الصدق، والكذب، والحق،
والباطل، وما أشبه ذلك من المتضادات.
وكم ضل أفاضل من الرجال سواء السبيل؛ لأنهم اتخذوا التطرف ديدنا لهم
فكانوا بإهمالهم الصدق مثلا يكذبون، وهم لا يدرون، وبتطرفهم بالتمسك بالحق -