تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للكريات الحمراء هو العظام الإسفنجية كما سبق، وخصوصا عظام الضلوع وهي

أهم مصدر لها.

وأما الكريات البيضاء، فهي خلايا حيوية ولها نواة واحدة أو أكثر وحركة

ذاتية، بحيث يمكن أن تنتقل من مكان إلى مكان بنفسها، وهي تنشأ من الغدد

اللمفاوية ونحوها كالطحال، وأعظم وظيفة لها أنها تقتل الميكروبات، وتأكلها فتنقي

الدم منها، فإذا أصاب جزءا من الجسم عارض أحدث فيه التهابا، ودخل فيه بعض

الميكروبات أسرعت هذه الكريات البيضاء إليها؛ فالتقمتها وقتلتها فإن تغلب

الميكروبات مرض الجسم، وإن نجحت الكريات في قتالها وقت الجسم من شر هذه

الميكروبات، وما يموت منها في أثناء هذا القتال يتجمع في موضع الالتهاب

مختلطا بغيره، ويسمى بالمدة أو الصديد، فأكثر كريات المدة عبارة عن شهداء

هذي الحرب، أي كرات بيضاء ميتة.

أما عدد الكريات الحمراء في الجسم، فهو 5 ملايين كرية في كل ملليمتر

مكعب من الدم تقريبا، وأما البيضاء فهي من سبعة آلاف إلى عشرة، وسيأتي في

فصل التنفس الكلام على وظيفة الكريات الحمراء.

وإذا خرج الدم من العروق تجمد، وتجمده يحصل هكذا:

ينفصل من مائية الدم مادة تسمى (الفبرين) أو (الليفين) لأنها كخيوط

الليف؛ فتحيط هذه الألياف بالكريات البيضاء والحمراء، وتنقبض عليها وتكون

الجزء المتجمد الذي يسمى بالعربية العلقة [3] (clot) ، وما بقي من ماء الدم

يسمى المصل.

وفي الدم مواد زلالية وسكر (جلوكوز) وأملاح عديدة، ومواد دهنية، وماء

وغير ذلك أما مائية الدم إذا خففت بماء أكثر أو قل، زلالها فتسمى اللمف.

ومما تقدم يعلم أن الدم في دورته يحمل معه جميع المواد المغذية التي يحتاجها

الجسم، وكذلك يأخذ معه من الجسم المواد التالفة التي تخلفت عن الاحتراق

الجثماني؛ ليوزعها على الأعضاء المختصة بإخراجها من الجسم كالجلد والكليتين،

وأهم هذه المواد التالفة البولينا، وحامض البوليك والكرياتينين وغير ذلك.

حكم تحريم شرب الدم في الشرائع الإلهية:

(أولها) : أن الدم عسر الهضم جدا، حتى أنه إذا انصب جزء منه في

المعدة تقيأه الإنسان، أو يخرج مع البراز بدون هضم على صورة مادة لزجة سوداء،

والسبب في عسر هضمه هذا هو وجود المادة الحمراء الحديدية التي فيه، وفي

أثناء مرور الدم في القناة الهضمية يتحلل ويتعفن؛ وبذلك يضر الجسم أيضا ومسألة

عسر هضمه المذكورة هنا مشاهدة كثيرا كلما انصب دم في المعدة بسبب جرح أو

غيره.

(ثانيها) : أن الدم - كما سبق - يحمل كثيرا من المواد المتخلفة عن الجسم

وهي فضلات له، فلا يصح إعادتها إليه، مع أن الطبيعة اقتضت خروجها منه،

نعم قيل إن البولينا نافعة في السل الرئوي؛ ولكن ذلك لم يثبت إلى الآن، وهي

ليست موجودة وحدها، بل معه أشياء أخرى ضارة.

ولعله إذا ثبت أن البولينا نافعة يكون ذلك أحد أسباب شرب العرب بول

الإبل، وهو يختلف بعض الاختلاف عن بول الحيوانات آكلة اللحم؛ فلهذا ربما

كان نافعا في بعض الأمراض كما ورد في بعض الأخبار النبوية.

وأعظم اختلاف بين هذا البول وبين الأبوال الأخرى أنه هو وغيره من أبوال

آكلات النباتات قلوي التأثير، مشتمل على كثير من الكربونات، وهي لا شك نافعة

للمعدة وغيرها، مدرة للبول.

(ثالثها) : أنه في كثير من الأمراض العفنة المعدية يوجد في الدم ميكروبات

ضارة جدا، وكذا سمومها القتالة؛ فإنها تدور في الدم، فإن قيل لم لا يطبخ الدم

ويؤكل بعد قتل هذه الميكروبات بالغلي، قلت:

1- إن الغلي يجمد جميع المواد الزلالية التي في الدم؛ وبذلك تصير أشد عسرا

مما كانت.

2- إن من هذه السموم ما لا يتغير بالغلي تغيرا يجعلها صالحة للجسم.

3- إن بعض الميكروبات إذا تجمد ما حولها من المواد الزلالية التي في الدم

وقتها من فعل النار؛ لأنها موصلة رديئة للحرارة، وأيضا فإن حبيبات (أي

بزور) الميكروبات تقاوم درجة الغليان بضع دقائق، فإذا لم تمت نمت في جسم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٤٣