وهذه العروق هي المسماة بالشعرية تشبيها لها بالشعر، وينشأ منها أوردة صغيرة
(وهي العروق التي يتجمع فيها الدم بعد مروره على جميع أجزاء الجسم ولونه أسود)
وهذه الأوردة الصغيرة يجتمع بعضها ببعض؛ فيتألف منها أوردة أكبر فأكبر حتى
تنتهي إلى الأجوف الأعلى والأجوف الأسفل، وهما أعظم وريدين في الجسم.
ومن ذلك يعلم أن الشريان هو العرق الحامل للدم الصالح، والوريد هو العرق
الحامل للدم الفاسد، وهذه التسمية صحيحة في الجسم كله ماعدا الشريان الرئوي
فإنه يحمل دما فاسدا، وما عدا الأوردة الأربعة الرئوية؛ فإنها تحمل دما صالحا،
ولذا رأى المشرحون تعريفا آخر أصح، وهو أن الشريان هو كل عرق يحمل الدم
الخارج من القلب، والوريد كل عرق يحمل الدم الذاهب إلى القلب بقطع النظر عن
صلاحه أو فساده.
ومما تقدم يعلم أن الدم في دورته في الجسم كله لا يخرج مطلقا عن العروق
(الشرايين والأوعية الشعرية والأوردة) إلا إذا أصابها حادث تمزقت بسببه فيخرج
إذا منها، وينسكب حولها، ويسمى ذلك بالرض أو الكدم [1] ، وهو الزرقة التي
تشاهد في الجسم عند ضربه أو اصطدامه بجسم صلب.
ويستثنى من ذلك موضعان ليس فيهما أوعية شعرية، فيسير الدم من
الشرايين إلى تجاويف فيهما، ومنها إلى الأوردة وهما الذكر والطحال، وانصباب
الدم في هذه التجاويف بكثرة في الذكر تحدث انتصابه.
أما الأشياء الصالحة التي في الدم فتخرج مع مائية الدم من خلال جدر
الأوعية الشعرية لتعذية جميع خلايا الجسم.
وأما الكريات الدموية فهي التي تبقى دائما في داخل العروق، إلا في الأحوال
الالتهابية، والمواد المائية الخارجة من الأوعية الشعرية تفعل ذلك بطريقة الإسموز
الذي سبق بيانه في علم الطبيعة.
عدد ضربات القلب والنبض:
انقباضات قلب الإنسان تبلغ في الدقيقة الواحدة نحو 70 أو 72 مرة في الذكر
ونحو 80 في الأنثى، وهي في الأجنة والأطفال أكثر منها في غيرهم، وتقل في
الشيوخ، وقد تزيد هذه الانقباضات في كثير من الأحوال، كما في الخوف الشديد
وفي الحميات وغير ذلك، وقد تكون هذه الانقباضات أو الضربات قليلة في بعض
الأشخاص بدون مرض، وهي تضعف في بعض الأمراض وخصوصا قبيل الموت،
والدورة الدموية تتم في أقل من نصف دقيقة.
وكلما انقبض القلب اندفع الدم منه إلى الشرايين؛ فيحدث فيها امتلاء فجائيا
وهو المسمى بالنبض، وهو الذي يجسه الأطباء فوق الرسغ وغيره لمعرفة حالة
ضربات القلب، والنبض لا يشعر به عادة في الأوردة؛ لأن قوة الضغط إذا
وصلت إلى الأوعية الشعرية التي بين الشرايين والأوردة تكون قد قلت، حتى لا
يشعر الإنسان في الأوردة بضغط جديد متكرر كما في الشرايين، وعدد مرات
النبض في الشرايين تعادل تماما مرات ضربات القلب وتحدث بعدها مباشرة، إلا
أنها في الشرايين البعيدة تتأخر فترة قصيرة جدا عن ضربات القلب.
الدم:
يوجد في جسم الإنسان عادة 1/13 من وزن جسمه دماء، فيكون القدر الذي
في جسم الكهل المعتاد 5 إلى 6 لترات من الدم، وهو سائل أحمر اللون غليظ
يتركب ميكروسكوبيا من قسمين الأول الكريات، والثاني ماء الدم وهو المسمى
بالإفرنجية (plasma) .
أما الكريات فهي نوعان: كريات حمراء وهي عبارة عن غشاء رقيق ممتلئ
بمادة حمراء زلالية فيها جزء من الحديد تسمى (الهيموجلبين) ، ويختلف شكل هذه
الكريات الحمراء باختلاف الحيوانات، ففي ذوات الثدي تكون أقراصا مستديرة
مقعرة من الجانبين ولا نواة لها، ما عدا الجمال فإن كراتها محدبة من الجانبين،
وهو الفرق الوحيد بينها وبين الحيوانات الأخرى الثديية.
أما في الطيور والزواحف والأسماك وذوات الحياتين، وهي التي تعيش في
الهواء والماء [2] ، كالضفادع فكرياتها جميعا بيضاوية الشكل محدبة من الجانبين،
ولها نواة وحجم هذه الكريات كلها يختلف باختلاف الحيوانات، وأعظم منشأ