المريض - وهو ملقى على ظهره - بحيث يكون مع جسمه زاوية قائمة تعذر مد
الساق حتى تكون مع الفخذ على خط مستقيم، وهذه العلامة - وتسمى علامة
(كرنج Kernig) - من أهم ما يعرف به الالتهاب السحائي، وإذا مررت بإصبعك
على جسم المريض ظهر خط أحمر حيث مرت الإصبع، ويستمر نحو خمس دقائق
أو أكثر، ويسمى هذا الخط بالفرنسية (Tache Cerébrale) ومعناه (البقعة
المخية) وهي من أهم علامات الالتهاب السحائي أيضا، وتنشأ من شلل في أوعية
الدم.
وهذا المرض خطر جدا على الحياة، وكثيرا ما يموت به المصابون، بل
منهم من يموت في بضع ساعات أو بضعة أيام، وعدد الوفيات يختلف من 30 إلى
70%.
ويوجد نوع آخر منه يصيب الأطفال الرضع فيقتلهم غالبا.
وإذا شفي المريض منه قام غالبا بصمم أو عمى أو استسقاء في الدماغ، مع
صداع وتشنجات وضعف شديد في العقل أو الجسم أو شلل بعض الأعضاء، وإذا
أصاب الصمم الأذنين قبل أن يتعلم الطفل الكلام بقي طول حياته أبكم أصم.
وقليل من الناس من يشفى منه ولا يصيبه شيء.
الصفة التشريحية:
إذا شرحت الجثة بعد الوفاة من هذا المرض يشاهد التهاب حاد في الأم الحنون
للمخ والنخاع الشوكي، فترى الصديد والمواد اللمفاوية متراكمة على سطح المخ في
شقوقه (أي ما بين التلافيف) ، ويكون السطح الخلفي للنخاع ملتهبا أكثر من
السطح الأمامي، وخصوصا القسم القطني منه، وفي بطينات المخ يشاهد مصل
عكر أو صديد، وفي القشرة السنجابية نقط نزفية أو بثور.
وترى الرئتين والكبد والطحال والكليتين جميعا محتقنة، مع استحالة شحمية
في خلايا الكلية واستحالة حبيبية في ألياف العضلات الاختيارية، وقد نرى أيضا
نقطا نزفية في الشغاف والبليورا وأحيانا تقيحا في المفاصل.
وكل هذه التغيرات المرضية التي تشاهد في الأحشاء ما عدا المخ والنخاع هي
تابعة لالتهاب السحايا، وليست من أصل المرض؛ وإنما تنشأ من سموم الميكروب،
ومن شدة ارتفاع الحرارة ونحو ذلك.
المعالجة:
أحسن علاج لهذا الداء استعمال المصل الخاص به؛ فيصفى جزء من السائل
الذي في النخاع بالبزل القطني، ويستعاض عنه بحقن 30 سنتيمترا مكعبا كل يوم
أو كل يومين بحسب شدة المرض.
والبزل القطني وحده نافع في هذا المرض لتخفيف الضغط على المراكز
العصبية بسحب بعض المواد الالتهابية، ولإزالة بعض سموم المرض.
وباقي علاج هذا المرض كعلاج سائر الحميات، ومن النافع فيه أيضا
استعمال مركبات الزئبق ويودور البوتاسيوم في بعض الأحوال.
الوقاية:
عزل المريض كما تقدم في الحميات، وتطهير كل إفرازاته، واتقاء القرب
منه.
والسكنى في الأماكن النقية الهواء ذات النوافذ الكثيرة من أحسن ما يتقى به
هذا الداء؛ فلذا يجب تهوية الأماكن المسكونة ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، ولا
يتوهم أحد أن الهواء المطلق الذي نرغب فيه هو مما يسمونه (بتيار الهواء)
ويقولون إنه يجب اتقاؤه، بل التيار الضار يكون بتعريض جزء من الجسم لهواء
يغاير باقي الهواء المحيط بالجسم في سرعته، وفي درجة حرارته، كالجلوس أمام
إحدى النوافذ من بيت دافئ مع تعريض جزء من البدن لهواء النافذة البارد، وأما
خروج الإنسان إلى الأماكن الطلقة الهواء كالفلوات والبحار والمكث فيها زمنا ما؛
فإنه لا يضر الصحيح البنية خصوصا إذا كان جسمه مدفأ جيدا بالملابس الكثيرة
الجافة؛ ولكن إذا ابتلت هذه الملابس بالعرق أو بالماء خيف على المرء من ضرر
البرد بالمكث في الهواء البارد.
***
الجذام
Leprosy
مرض شهير منذ العصور الغابرة، سمي بذلك في العربية؛ لأنه يبتر
بعض الأعضاء، وهو من الأمراض المزمنة المتعذرة الشفاء، ينشأ من
ميكروب من الشكل الباسيلي اكتشفه (هانسن Hansen) سنة 1879م يشبه
ميكروب الدرن من عدة وجوه، وحقن هذا الميكروب في الحيوانات لم ينجح في
إحداث المرض فيها ما عدا القردة؛ فإنها تصاب بإصابة موضوعية وقتية،