تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لها هو مبدأ الطريق ووسطه، وغايته، وهو روح السالكين، وحاديهم إلى الوصول،

ومحرك عزماتهم إذا فتروا، ومثير هممهم إذا قصروا، فإن سيرهم إنما هو على

الشواهد، فمن كان لا شاهد له فلا سير ولا طلب ولا سلوك له، وأعظم الشواهد

صفات محبوبهم ونهاية مطلوبهم، وذلك هو العلم الذي رفع لهم في السير فشمروا

إليه، كما قالت عائشة رضي الله عنها (من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فقد رآه غاديا رائحا لم يضع لبنة على لبنة، ولكن رفع له علم فشمر إليه) ولا

يزال العبد في التواني والفتور والكسل حتى يرفع الله عز وجل له بفضله ومنه علما

يشاهده بقلبه فيشير إليه ويعمل عليه، فإن عطلت شواهد الصفات ووضعت أعلامها

عن القلوب، وطمست آثارها وضربت بسياط البعد، وأسبل دونها حجاب الطرد،

وتخلفت مع المتخلفين، وأوحى إليها القدر أن اقعدي مع القاعدين، فإن أوصاف

المدعو إليه ونعوت كماله وحقائق أسمائه هي الجاذبة للقلوب إلى محبته وطلب

الوصول إليه؛ لأن القلوب إنما تحب من تعرفه وتخافه وترجوه، وتشتاق إليه،

وتلتذ بقربه، وتطمئن إلى ذكره، بحسب معرفتها بصفاته، فإذا ضرب دونها

حجاب معرفة الصفات، والإقرار بها، امتنع منها بعد ذلك ما هو مشروط بالمعرفة

وملزوم لها، إذ وجود الملزوم بدون لازمه، والمشروط بدون شرطه ممتنع.

فحقيقة المحبة والإنابة والتوكل ومقام الإحسان ممتنع على المعطل امتناع

حصول المغل من معطل البذر، بل أعظم امتناعا، كيف تصمد القلوب إلى من

ليس داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصلا به، ولا منفصلا عنه، ولا مباينا له

ولا محايثا، بل حظ العرش منه كحظ الآبار والوهاد والأماكن التي يرغب عن

ذكرها؟ وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها، ولا يرى مكانها، ولا يحب ولا

يحب، ولا يقوم به فعل البتة، ولا يتكلم ولا يكلم، ولا يقرب من شيء ولا يقرب

منه شيء، ولا يقوم به رأفة ولا رحمة ولا حنان، ولا له حكمة ولا غاية يفعل

ويأمر لأجلها؟ فكيف يتصور التوكل على ذلك، ومحبته والإنابة إليه، والشوق إلى

لقائه، ورؤية وجهه الكريم في جنان النعيم، وهو مستو على عرشه فوق جميع

خلقه؟ أم كيف تأله القلوب من لا يحب ولا يحب، ولا يرضى ولا يغضب ولا

يفرح ولا يضحك؟ فسبحان من حال بين المعطلة وبين محبته ومعرفته والسرور

والفرح به، والشوق إلى لقائه، وانتظار لذة النظر إلى وجهه الكريم، والتمتع

بخطابه في محل كرامته ودار ثوبه! فلو رآها أهلا لذلك لمن عليها به، وأكرمها به،

إذ ذاك أعظم كرامة يكرم بها عبده، والله أعلم حيث يجعل كرامته، ويضع نعمته

{وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم

بالشاكرين} (الأنعام: 53) ، {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل

ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} (الأنعام: 124) ، - {أهم

يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق

بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون} (الزخرف: 32) وليس جحودهم صفاته سبحانه، وحقائق أسمائه في الحقيقة تنزيها،

وإنما هو حجاب ضرب عليهم فظنوه تنزيها، كما ضرب حجاب الشرك، والبدع

المضلة، والشهوات المردية على قلوب أصحابها، وزين لهم سوء أعمالهم فرأوها

حسنة.

عدنا إلى شرح كلامه، قوله: (وقد وردت أساميها بالرسالة) إلى آخره،

ذكر أن إثبات الصفات دل عليها الوحي الذي جاء من عند الله على لسان رسوله،

والحس الذي شاهد به البصير آثار الصنعة؛ فاستدل بها على صفات صانعها،

والعقل الذي طابت حياته بزرع الفكر، والقلب الذي حيي بحسن النظر بين التعظيم

والاعتبار، فأما الرسالة فإنها جاءت بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال

الشبهة، وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت له

الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر به الإيمان في نصابه، ففصلت الرسالة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٦٤