تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا تجد معطلا إلا وشركه على حسب تعطيله، فمستقل ومستكثر.

***

فصل

والرسل من أولهم إلى خاتمهم - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - أرسلوا

بالدعوة إلى الله، وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم

إليه، فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملة على لسان كل رسول فعرفوا الرب

المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفا مفصلا، حتى كأن العباد يشاهدونه

سبحانه، وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه يكلم ملائكته، ويدبر أمر مملكته،

ويسمع أصوات خلقه، ويرى أفعالهم وحركاتهم، ويشاهد بواطنهم كما يشاهد

ظواهرهم، يأمر وينهى، ويرضى ويغضب، ويحب ويسخط، ويضحك من

قنوطهم وقرب غيره، ويجيب دعوة مضطرهم، ويغيث ملهوفهم ويعين محتاجهم،

ويجبر كسيرهم، ويغني فقيرهم، ويميت ويحي، ويمنع ويعطي، يؤتي الحكمة

من يشاء [11] ، وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء، ويذل من يشاء بيده الخير

وهو على كل شيء قدير، كل يوم هو في شأن، يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويفك

عانيا، وينصر مظلوما، ويقصم ظالما، ويرحم مسكينا، ويغيث ملهوفا، ويسوق

الأقدار إلى مواقيتها، ويجريها على نظامها، ويقدم ما يشاء تقديمه، ويؤخر ما

يشاء تأخيره، فأزمة الأمور كلها بيده، ومدار تدبير الملك كلها عليه، وهذا مقصود

الدعوة، وزبدة الرسالة.

(القاعدة الثانية) تعريفهم بالطريق الموصل إليه، وهو صراطه المستقيم

الذي نصبه لرسله وأتباعهم، وهو امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإيمان بوعده

ووعيده.

(القاعدة الثالثة) تعريف الحال بعد الوصول، وهو ما تضمنه اليوم الآخر

من الجنة والنار، وما قبل ذلك من الحساب والحوض والميزان والصراط.

فقعدت المعطلة والجهمية على رأس القاعدة الأولى فحالوا بين القلوب وبين

معرفة ربها، وسموا إثبات صفاته وعلوه فوق خلقه واستوائه على عرشه - تشبيها

وتجسيما وحشوا، فنفروا عنه صبيان العقول، وسموا نزوله إلى سماء الدنيا،

وتكلمه بمشيئته، ورضاه بعد غضبه، وغضبه بعد رضاه، وسمعه الحاضر

لأصوات العباد، ورؤيته المقارنة لأفعالهم ونحو ذلك - حوادث، وسموا وجهه

الأعلى ويديه المبسوطتين وأصابعه التي يضع عليها الخلائق يوم القيامة - جوارح

وأعضاء، مكرا منهم كبارا بالناس، كمن يريد التنفير عن العسل فيمكر في العبارة

ويقول: مائع أصفر يشبه العذرة المائعة، أو ينفر عن شيء مستحسن، فيسميه

بأقبح الأسماء فعل الماكر المخادع، فليس مع مخالف الرسل سوى المكر في القول

والعمل.

فلما تم للمعطلة مكرهم وسلك في القلوب المظلمة الجاهلة بحقائق الإيمان وما

جاء به الرسول - ترتب عليه الإعراض عن الله، وعن ذكره ومحبته والثناء عليه

بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فانصرفت قوى حبها وشوقها وأنسها إلى سواه.

وجاء أهل الآراء الفاسدة، والسياسات الباطلة، والأذواق المنحرفة، والعوائد

المستمرة، فقعدوا على رأس هذا الصراط، وحالوا بين القلوب وبين الوصول إلى

نبيها وما كان عليه وأصحابه، وعابوا من خالفهم في قعودهم عن ذلك ورغب عما

اختاروه لأنفسهم، ورموه بما هم أولى به منه كما قيل: رمتني بدائها وانسلت.

وجاء أصحاب الشهوات المعتنون بها الذين يعدون حصولها كيف كان الظفر

في هذه الحياة والبغية فقعدوا على رأس طريق المعاد والاستعداد للجنة ولقاء الله،

وقالوا: اليوم خمر، وغدا أمر، اليوم لك ولا تدري غدا لك أو عليك، وقالوا: لا

نبيع ذرة منقودة، بدرة موعودة.

خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل

وقالوا للناس: خلوا لنا الدنيا، ونحن قد خلينا لكم الآخرة، فإن طلبتم منا ما

بأيدينا أحلناكم على الآخرة.

أناس [13] يقضون عيش النعيم ... ونحن نحال على الآخرة

فإن لم تكن مثلما يزعمون ... فتلك إذا كرة خاسرة

فالإيمان بالصفات، ومعرفتها، وإثبات حقائقها، وتعلق القلب بها، وشهوده

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٦٣