من كل ناحية، وبدعوهم وضللوهم به، قوله (ولا تحمله كثرة نعم الله على هتك
محارم الله) كثرة النعم تطغي العبد، وتحمله على أن يصرفها في وجوهها وغير
وجوهها، وهي تدعو إلى أن يتناول العبد بها ما حل وما لا يحل، وأكثر المنعم
عليهم لا يقتصرون في صرف النعمة على القدر الحلال بل يتعداه [6] إلى غيره
وتسول له نفسه أن معرفته بالله ترد عليه ما انتهبته منه أيدي الشهوات والمخالفات،
ويقول: العارف لا تضره الذنوب كما تضر الجاهل، وربما يسول له أن ذنوبه
خير من طاعات الجهال، وهذا من أعظم المكر، والأمر بضد ذلك، فيحتمل من
الجاهل ما لا يحتمل من العارف، وإذا عوقب الجاهل ضعفا، عوقب العارف
ضعفين، وقد دل على هذا شرع الله وقدره، ولهذا كانت عقوبة الحر في الحدود
مثلي عقوبة العبد، وقال تعالى في نساء النبي صلى الله عليه وسلم: {يا نساء
النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} (الأحزاب:
30) فإذا كملت النعمة على العبد فقابلها بالإساءة والعصيان كانت عقوبته أعظم
فدرجته أعلى، وعقوبته أشد.
وقال أيضا [7] ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة فكيف عند
أبناء الدنيا؟ يريد أنه ليس من المعرفة وصف المعرفة لغير أهلها سواء كانوا عبادا
أو من أبناء الدنيا.
وقال أبو سعيد: المعرفة تأتي من عين الوجود [8] ، وبذل المجهود، وهذا
كلام حسن يشير إلى أن المعرفة ثمرة بذل المجهود في الأعمال، وتحقق الوجود في
الأحوال، فهي ثمرة عمل الجوارح، وحال القلب لا ينال بمجرد العلم والبحث،
فمن ليس له عمل ولا حال فلا معرفة له، وسئل ذو النون عن العارف فقال: كان
ها هنا فذهب، فسئل الجنيد عما أراد بكلامه هذا فقال: لا يحصره حال عن حال،
ولا يحجبه منزل عن التنقل في المنازل، فهو مع كل أهل منزل بمثل الذي هم فيه،
يجد مثل الذي يجدون، وينطق بمعالمها لينتفعوا، وقال محمد بن الفضل:
المعرفة حياة القلب مع الله، وسئل أبو سعيد: هل يصل العارف إلى حال يجفو
عليه البكاء؟ فقال: نعم! إنما البكاء في أوقات سيرهم إلى الله؛ فإذا نزلوا بحقائق
القرب، وذاقوا طعم الوصول من بره زال عنهم ذلك، وقال بعض السلف: نوم
العارف يقظة، وأنفاسه تسبيح، ونوم العارف أفضل من صلاة الغافل: إنما كان
نوم العارف يقظة لأن قلبه حي فعيناه تنامان وروحه ساجدة تحت العرش بين يدي
ربها وفاطرها، جسده في الفرش، وقلبه حول العرش، وإنما كان نومه أفضل من
صلاة الغافل؛ لأن بدن الغافل واقف في الصلاة وقلبه يسبح في حشوش الدنيا
والأماني؛ ولذلك كانت يقظته نوما لأن قلبه موات، وقيل: مجالسة العارف تدعوك
من ست إلى ست: من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الغفلة
إلى الذكر، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة، ومن الكبر إلى التواضع،
ومن سوء الطوية إلى النصيحة.
***
فصل
قال صاحب المنازل (المعرفة على ثلاث درجات، والخلق فيها على ثلاث
فرق: الدرجة الأولى معرفة الصفات والنعوت، وقد وردت أساميها بالرسالة،
وظهرت شواهدها في الصنعة، بتبصر [9] النور القائم في السر، وطيب حياة
العقل لزرع الفكر، وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار، وهي
معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها، وهي على ثلاثة أركان: إثبات
الصفات باسمها من غير تشبيه، ونفي التشبيه عنها من غير تعطيل، والإياس من
إدراك كنهها، وابتغاء تأويلها) .
قلت: الفرق بين الصفة والنعت من وجوه ثلاثة (أحدها) أن النعت يكون
بالأفعال التي تتجدد كقوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في
ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار} (الأعراف: 54) ، -وقوله:
{الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون * والذي نزل
من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون * والذي خلق الأزواج كلها