تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الطريق بخطوتين: خطوة عن نفسه، وخطوة عن الخلق، وقيل: العارف ابن

وقته، وهذا من أحسن الكلام وأخصره، فهو مشغول بوظيفة وقته عما مضى

وصار في العدم، وعما لم يدخل بعد في الوجود، فهمه عمارة وقته الذي هو مادة

حياته الباقية، ومن علاماته أنه مستأنس بربه، مستوحش ممن يقطعه عنه، ولهذا

قيل: العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول، يعني أن العالم علمه أوسع من

حاله وصفته، والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره، وقال أبو سليمان الداراني:

إن الله تعالى يفتح للعارف على فراشه ما لم يفتح له وهو قائم يصلي، وقال غيره:

العارف تنطق المعرفة على قلبه وحاله وهو ساكت، وقال ذو النون: لكل شيء

عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله.

وقال بعضهم: رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين، وهذا كلام ظاهره

منكر جدا يحتاج إلى شرح، فالعارف لا يرائي المخلوق طلبا للمنزلة في قلبه،

وإنما يكون رياؤه نصيحة وإرشادا وتعليما ليقتدي به، فهو يدعو إلى الله بعلمه كما

يدعو إليه بقوله، فهو ينتفع بعمله وينفع به غيره، وإخلاص المريد مقصور على

نفسه، فالعارف جمع بين الإخلاص والدعوة إلى الله، فإخلاصه في قلبه، وهو

يظهر عمله وحاله ليقتدى به، والعارف ينفع بسكوته، والعالم إنما ينفع بكلامه،

ولو سكتوا أثنت عليك الحقائق.

وقال ذو النون: الزهاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين، وسئل الجنيد

عن العارف فقال: لون الماء لون إنائه، وهذه كلمة رمز بها إلى حقيقة العبودية،

وهو أن يتلون بتلون أقسام العبودية، فبينا تراه مصليا إذ رأيته ذاكرا، أو قارئا،

أو معلما، أو متعلما، أو مجاهدا، أو حاجا، أو مساعدا للضعيف، أو مغيثا

للملهوف، فيضرب في كل غنيمة من الغنائم بسهم، فهو مع المتسببين متسبب، ومع

المتعلمين متعلم، ومع الغزاة غاز، ومع المصلين مصل، ومع المتصدقين متصدق،

فهو ينتقل في منازل العبودية من عبودية إلى عبودية، وهو مقيم على معبود واحد لا

ينتقل عنه إلى غيره.

وقال يحيى بن معاذ: العارف كائن بائن، وهذا يفسر على وجوه (منها) أنه

كائن مع الخلق بظاهره، بائن عنهم بسره وقلبه، و (منها) أنه كائن بربه، بائن

عن نفسه و (منها) أنه كائن مع أبناء الآخرة، بائن عن أبناء الدنيا، و (منها)

أنه كائن مع الله بموافقته بائن عن الناس في مخالفته، و (منها) أنه داخل في

الأشياء خارج منها، فإن من الناس من هو داخل فيها لا يقدر على الخروج منها،

ومنهم من هو خارج عنها لا يقدر على الدخول فيها، والعارف داخل فيها خارج

منها، ولعل هذا أحسن الوجوه.

وقال ذو النون: (علامة العارف ثلاثة: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه،

ولا يعتقد باطنا من العلم ينقضه عليه ظاهر من الحكم، ولا تحمله كثرة نعم الله

على هتك أستار محارم الله) ، وهذا من أحسن الكلام الذي قيل في المعرفة، وهو

محتاج إلى شرح، فإن كثيرا من الناس يرى أن التورع عن الأشياء من قلة المعرفة؛

فإن المعرفة متسعة الأكناف، واسعة الأرجاء، فالعارف واسع موسع، والسعة

تطفئ نور الورع، فالعارف لا تنقص معرفته ورعه، ولا يخالف ورعه معرفته،

كما قال بعضهم [4] العارف لا ينكر منكرا، لاستبصاره بسر الله في القدر، فعنده أن

مشاهدة القدر والحقيقة الكونية هو غاية المعرفة، وإذا شاهد الحقيقة عذر الخليقة؛

لأنهم مأسورون في قبضة القدر، فمن يعذر أصحاب الكبائر والجرائم، بل أرباب

الكفر فهو أبعد خلق الله عن الورع، بل ظلام معرفته قد أطفأ نور إيمانه

قوله [5] : باطن العلم الذي ينقضه ظاهر الحكم، فإنه يشير به إلى ما عليه

المنحرفون ممن ينسب إلى السلوك؛ فإنهم يقع لهم أذواق ومواجيد وواردات تخالف

الحكم الشرعي، وتكون تلك معلومة لهم لا يمكنهم جحدها فيعتقدونها ويتركون

ظاهر الحكم، وهذا كثير جدا، وهو الذي نفاه أئمة الطريق على هؤلاء وصواحبهم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٦٠