والاعتدال في الرياضة ضروري جدا - كما في سائر الأشياء - ومدتها
للشبان الأصحاء نحو من ساعة في اليوم نصف في أوائل النهار، ونصف في آخره،
هذا إذا كانت بالمشي السريع، أما إذا كان المشي معتدلا فتكون ساعتين ومن
الأمراض ما لا توافقه الرياضة كأمراض صمامات القلب.
وأنواع الرياضة عديدة منها المشي، ومنها العدو، ومنها السباحة وركوب
الخيل، وغير ذلك، ولا يتوهم أحد أن المشي لا يكفي، وكيف لا يكفي وبه تتحرك
جميع العضلات تقريبا، ويسرع القلب والتنفس.
***
النبذة الرابعة
في علم الأنسجة أو التشريح الدقيق
الهستولوجيا Histology
الهستولوجيا كلمة يونانية، ومعناها (علم الأنسجة) وبعبارة أخرى علم
التشريح الدقيق للجسم، وقد سبق ذكر أشياء كثيرة منه في النبذة الثالثة
وهذا العلم لا يمكن دراسته إلا بالمجهر المسمى بالميكروسكوب، أي المنظار
الدقيق ليتيسر للإنسان الوقوف على جميع دقائق الجسم.
أما المجهر فهو مبني على الحقيقة الطبيعية الآتية، وهي أن الجسم إذا وضع
على بعد مخصوص من العدسة المحدبة تجمعت الأشعة المنبعثة منه، ورسم كبيرا
في الجهة الأخرى، وهذه الصورة الكبيرة تمكن رؤيتها بالعين المجردة، وقد ترى
بعدسة أخرى؛ فتزداد كبرا؛ لذلك كان الميكروسكوب عبارة عن أنبوبة معدنية في
طرفها عدسة محدبة، وكذلك في الطرف الآخر، إلا أن الغالب أن تكون العدسة
التي في الطرف الأول محدبة من الجانبين، وفي الطرف الثاني محدبة من الجهة
الداخلية فقط.
وتكون العدستان على أبعاد مخصوصة معروفة في علم الطبيعة، فإذا أريد
رؤية أي جزء من أجزاء الجسم قطعت منه طبقات رقيقة بآلة كالموسى، وتوضع
القطعة منها على لوح من الزجاج بعد أن تلون بألوان مخصوصة أو بدون تلوين.
ثم يوضع هذا اللوح على حامل في المجهر له ثقب مستدير في وسطه،
وتحت هذا الثقب مرآة لعكس الأشعة لتنفذ خلال القطعة الرقيقة التي فوق اللوح
الزجاجي؛ فتكبر صورتها العدسة الأولى، ثم تكبر هذه الصورة العدسة الثانية
فيراها الإنسان كبيرة جدا.
وبهذه الآلة أمكن الوقوف على دقائق عالمي الحيوان والنبات، وبها اكتشفت
الميكروبات، فلها الفضل الأكبر في علم الطب الحديث.
فإذا نظر بالمجهر إلى أجزاء الجسم المختلفة وجد أنها تتركب من الأنسجة
الآتية:
(1) إبيثيليوم (Epithelium) : وهذه كلمة يونانية معناها الغطاء؛ لأن
هذا المنسوج يغطي جميع أجزاء الجسم من الظاهر والباطن كما في الجلد، وفي
قناة الهضم، وغير ذلك.
(2) المنسوج الضام: وهو الذي يربط أجزاء الجسم بعضها ببعض.
(3) المنسوج العضلي: وهو الذي تحصل به الحركة، كما سبق.
(4) المنسوج العصبي: وهو المخ والنخاع وسائر الأعصاب.
وكما أن جميع المنسوجات كالأقمشة مثلا تتركب من أجزاء دقيقة جدا، وهي
الخيوط، كذلك هذه الأنسجة تتركب من خيوط تسمى الألياف، ومن كتل صغيرة
جدا تسمى الخلايا، وبينهما مواد تربط الواحد منهما بالآخر، وأصل جميع ما في
الجسم من الألياف وغيرها ناشئ من الخلايا، فالخلايا في الحقيقة هي عنصر
الأجسام الحية نباتية كانت أو حيوانية، إذ من الثابت أن الإنسان يتكون من بيضة
واحدة وهي في الحقيقة خلية حية.
ففي بعض أجزاء الجسم نجد أن هذه الخلايا منضودة صفوفا بعضها فوق
بعض، ويتكون منها الإبيثيليوم المذكور، وفي الأجزاء الأخرى تمتط هذه الخلايا
فيتكون منها العضلات، أو الأعصاب، أو المنسوج الضام بتغيرات مختلفة تحصل
فيها، وقد يتكون في داخلها مواد دهنية؛ فينشأ من ذلك منسوج الشحم.
ومن الناس من يعتقد أن ألياف المنسوج الضام كانت خلايا فامتطت - كما قلنا-
ومنهم من يرى أنها إفرازات من الخلايا ترسب فيما بينها، كما ترسب بعض
الأملاح في السوائل، والقول بأنها رواسب هو الراجح الآن عند العلماء.
أما الخلية فهي الأصل لجميع الأحياء - كما سبق - وتتركب من البروتبلازم [5]