﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾ (الصافات: 99) وقوله: {في مقعد صدق
عند مليك مقتدر} (القمر: 55) وقوله: ﴿بل أحياء عند ربهم﴾ (آل عمران:
169) وغير ذلك كثير.
ولما كان بعض التلاميذ يستبعدون الموت على المسيح لشدة حبهم
وتعظيمهم له، كما فعل بعض الصحابة عقب موت رسول الله - ذهب بعضهم
بالرأي والاجتهاد إلى أن المصلوب لا بد أن يكون غير المسيح وقالوا إنه إما
يهوذا أو واحد آخر وخصوصا لأنهم لم يعلموا أين ذهب يهوذا.
ومن ذلك نشأت مذاهب مختلفة بين النصارى الأولين في مسألة الصلب
والقيامة، كانت أساسا لفرق كثيرة ظهرت بعدهم ذكرناها مرارا سابقا في المنار
وغيره مما كتبنا. لذلك قال تعالى: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم
به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا} (النساء: 157) .
فساد مذهب القائلين بالصلب لأنه هو الظاهر مما شوهد إذ ذاك وساعد على
نشره القول بالقيامة ودعمه بولس ومن وافقه بنظرياتهم في الخلاص [8] والفداء
وببعض نصوص من العهد القديم لووها وأولوها
بحسب أوهامهم وأفكارهم وقد بينا بطلانها في كتاب (دين الله) وقد رفض بولس
هذا وجميع رسائله أقدم فرقهم القديمة كالبيونيين (Ebionites) وكانوا أقرب
الناس إلى تعاليم المسيح الحقيقية وغاية في الزهد والتقوى وكان عندهم إنجيل
متى العبراني الأصلي المفقود الآن.
ومن الجائز أن يوسف ونيقوديموس (إذا صح أنه حضر معه) كانا يخافان على
الجثة من اليهود أن يهينوها أو يمثلوا بها أو يتركوها للحيوانات المفترسة
كالمعتاد أو نحو ذلك زيادة في النكاية بالمسيح وأتباعه وكما كان يعمل في
المصلوبين بحسب عادة الرومان، فتظاهرا بأنهما قد أتما دفن الجثة ومضيا. فلما
تحققا أنه لم يبق عند القبر أحد مطلقا خوفا من أن يطلع على ما يفعلان رجعا
ونقلاها إلى موضع آخر لا يعلمه أحد، وتعاهدا على أن لا يبوح أحد بسرهما، ثم
ذهب يوسف إلى بلدته الرامة على بعد 6 أميال إلى الشمال من أورشليم ورجع
نيقوديموس إلى بيته وكلاهما كان عضوا في السنهدريم مجمع اليهود وكانا
يؤمنان بالمسيح ولكن سرا لخوفهما من اليهود (يو 19: 38 و7: 50) وربما
أنهما لم يجاهرا اليهود بشيء حتى ولا بأنهما هما اللذان دفنا الجثة وخصوصا
نيقوديموس، ولذلك لم تذكره الأناجيل الثلاثة الأول، وربما قال يوسف
لليهود تعمية لهم: إني بعد أن استلمت الجثة وكفنتها سلمتها لغيري ممن حضر
ليدفنها وتركته ولا أعلم باليقين أين وضعها ولا أعرف اسمه. وخصوصا
لأن كل الجموع الذين كانوا حاضرين الصلب كانوا قد رجعوا إلى منازلهم كما
قال لوقا (23: 48) ولم يبق وقت الدفن أحد يشاهدهما إلا مريم المجدلية ومريم
أم يوسي (مر 15: 47 ومت 27: 61) ولا ندري إذ صح ذلك كيف أرادتا
العودة إلى القبر لتحنيط الجثة مع أنهما شاهدتا يوسف ونيقوديموس يحنطانها كما
تقول الأناجيل؟ (يو 19: 39 و40) وقال كيم أحد علماء الإفرنج في كتابه
(يسوع الناصري) مجلد 3 ص 552: إنه لا يحرم على أحد من اليهود في
يوم السبت أن يقوم بالواجب نحو جثة الميت كالتحنيط والتكفين ونحوهما. فلا
يفهم أحد ما الذي أخر هؤلاء النسوة عن الذهاب إلى القبر يوم السبت والقيام بما
يردن عمله للمسيح فيها. انظر كتاب دين الخوارق ص 826 وهل لم يكفهن
الحنوط العظيم الذي أحضره نيقوديموس (يو 19: 39) حتى اشترين غيره
(م16: 1) ولكن لنتغاض.
وبعد السبت في فجر يوم الأحد جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى إلى
القبر الذي كانتا شاهدتا الجثة وضعت فيه أولا (متى 28: 1) فلم تجداها
فكان ما كان من إشاعة قيامة المصلوب من الموت، هذا إذا لم نقل إنهما ضلتا
عن القبر بسبب شدة الحزن والبكاء والتعب والظلام، وكثيرا ما تضل نساء
مصر مثلا ورجالها عن معرفة قبورهم حتى بعد التردد عليها مرة أو مرتين
كما هو مشاهد معروف ولذلك لم يعرف علماؤهم موضع هذا القبر باليقين إلى