تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العومل المحلية هي حدود للجنسية وينسب لكل شعب صفات خاصة تميزه عن بقية

الشعوب ولو كانت من نسل واحد. على أن تلك الصفات ليست إلا صفات خارجية

لا تدل دلالة صريحة على وجود حدود فاصلة بين الهيئات الوطنية لأن في كل

شعب ولا سيما في النسل الأبيض أفرادا كبارا وصغارا وشعرا أشقر وأسود وعيونا

زرقا وسودا ومزاجا باردا وحارا.

وإذا تغلبت بعض الصفات في شعب والبعض الآخر في شعب آخر فالعلامات

الجسمية والعقلية تقرب أن تكون واحدة وليس فيها من الصفات الخصوصية ما

يمتاز بها شخص عن آخر وتعرف بها جنسيته كما يعرف النسل الأسود بالجلد

الأسود والشعر الأجعد وهيئه القحف والوجه.

فهذه الصفات التي يعلقون عليها أهمية كبرى ليست بيولوجية لتحدث تغييرا

في ذاتية الإنسان ولا جوهرية لتضع حدودا فاصلة بين الجنسيات، لأنها تكتسب

بالتعليم والتهذيب والتدريب وتزول بعد البلوغ وفي ظروف معلومة، تدلنا على ذلك

أحوال الولد الذي ينقل طفلا من قومه وينمو ويعيش في وسط آخر بعيد عن أهله

فإنه يكتسب صفات ذلك الشعب الغريب ولا يظهر فيه أثر من صفات قومه؛ لأن تلك

الصفات أعراض قابلة للزوال حتى لقد يخسر البالغ صفات قومه ويكتسب صفات

قوم يخالطهم كما اكتسب البرامكة صفات العرب وضرب المثل ببلاغة تواقيعهم،

وكما أن الأيوبيين وهم أكراد صاروا أشد نعرة للعرب من العرب أنفسهم، وكان

منهم شعراء وعلماء وأجازوا الشعراء ووقف منهم على أبوابهم ما لم يقف على

أبواب غيرهم من ملوك العرب، والسموأل وابن سهل يهوديان وهما شاعران

عربيان تتدفق الروح العربية من أنفاسهما، والأمثلة على ذلك كثيرة يروى منها عند

كل الأمم فقد قام كتبة ألمانيون من أصل فرنساوي تفتخر بهم ألمانيا وقام ألمانيون

في فرنسا وإيطاليون في إنكلترا وقس عليه.

فالرابطة الدموية إذا ليست شرطا جوهريا لتحديد الجنسية فالهيغونوت (وهم

البروتستانت الفرنساويون الذين هربوا من الاضطهاد) الذين هاجروا إلى براندبورج

أصبحوا من أفضل الألمان، والهولانديون في أمستردام الجديدة صاروا أميريكيين لا

غبار على وطنيتهم، أي أن الحرب والمهاجرات الكبرى والأسفار مزجت الناس

بعضهم ببعض حتى لم يبق فارق يفرق العناصر القومية بعضها من بعض عدا عن

أن التشريع لا يعير القرابة الدموية أقل أهمية، لأنه يسهل للغرباء أن يتجنسوا

بجنسية المملكة أي يصيروا وطنيين لهم ما لأهل الوطن من الحقوق وعليهم ما على

مواطنيهم من الواجبات، فالأنثروبولوجيا ليست أساسا للجنسية وكل ما يقال فيها

واهن من هذه الجهة وغير ثابت.

وقد حاولوا أن يجعلوا أساس الوطنية الاشتراك في المنافع والمرافق وقالوا:

إن ما يجعل الناس أعضاء أمة واحدة هو الماضي المشترك والمستقبل المشترك

وكونهم تحت سلطة واحدة وخضوعهم لشرائع واحدة واشتراكهم في الأفراح

والأتراح، إلا أن ذلك نظرية سفسطية تصح قولا ولا تثبت فعلا؛ لأن الروماني في

غاليسيا لا يشعر على الإطلاق بكونه بولونيا مع أن الرومان والبولونيين اشتركوا

في الشرائع والنظامات السياسية منذ أكثر من ألف سنة، والفيلاندي يعتبر جنسيته

غير جنسية السويدي رغما عن أنهما يؤلفان شعبا واحدا ويسيران على سياسة واحدة

منذ أكثر من ألف سنة أيضا، لا ريب في أن الشرائع والنظامات واتفاق العادات

والأخلاق وارتباط الأعمال تقرب العناصر بعضها من بعض وتولد فيها شعورا

بالتضامن، إلا أنها تنزع جنسية من صدر قوم ولا تخلق أخرى في قوم آخرين.

كل ذلك فن احتيالي تضرب به الحقيقة عرض الحائط، فالجنسية لا تعرف

من صفات الفرد إلا ما ندر، والشرائع والنظامات لا تحدد الجنسية حدا صحيحا

فاصلا بالرغم عما لها من التأثير في الأخلاق، بل ما يحددها هو اللغة؛ لأن بها

وحدها يصبح الإنسان عضوا من شعب خاص ويتولد فكره وشعوره وبها يقتبس

منهج الشعب الذي كونها وأنماها ووضع فيها أسرار عقله ونفث فيها نسمات روحه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٧٣