تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن الحكومة ببيانها الأخير شوهت مواد تلك الاتفاقية تشويها ولم ترض بذلك

القليل الذي رضينا به فأدخلت اليأس من جديد في نفوس أعضاء حزبنا ونفوس

الأمة العربية جمعاء فرأت اللجنة أن نؤخر الآن إرسال الوفد وأن تخاطبكم بصفتكم

من شهود ذلك الاتفاق في باريس بما عولت عليه، وهو أنها توقف إرسال الوفد

على أحد أمرين: إما إرضاء الحكومة بالاتفاقية المذكورة وتطبيقها بالحرف، وإما

أن تودع مسألة اللامركزية برمتها إلى رأي الأمة بأن تصادق على بروغرام حزبنا

ليسير في تأييد مبدئه بالطرق القانونية التي تسير فيها الأحزاب عامة في كل مملكة

دستورية فإذا كانت البلاد مستعدة لهذا النوع من الحكم ثبت مبدؤنا ونفذ بالتدريج،

وإذا كان غير ذلك نكون قمنا بالواجب الذي تدعونا إليه ضمائرنا، ونعتقد أنه محتم

علينا بإزاء دولتنا ووطننا، وإذا كانت الحكومة لا ترى هذا ولا ذاك ولا توافق على

الاتفاقية ولا تقبل الاعتراف بهذا الحزب فقد عولنا معتمدين على الله وحسن النية

والإخلاص لهذا الوطن ومعونة الأمة العربية وأهل الرأي فيها على المضي في

الوجهة التي رسمناها لأنفسنا من أجل سعادة الأوطان وسلامتها وسلامة الدولة أيضا

ونترك تقدير النتائج المترتبة إلى ضمائر القابضين على زمام الأمر اليوم إلخ.

فهذا الكتاب وما قبله من البيانات الواضحة يثبت لأبناء الأمة العربية الكريمة

أننا لم نأل جهدا في تحقيق رغباتها وتأييد مطالبها في إصلاح الوطن وترقيته

وسعادته وإن رائدنا الإخلاص لدولتنا ووطننا، وإنما هذا الإخلاص لا يمنعنا إذا

رأينا إصرارا من الحكومة على رأيها القديم في الأمة العربية ومطلا وتسويفا في

إجابة مطالبها أن نتخذ خطة العزم والحزم والثبات أمام كل الموانع التي تحول دون

تحقيق آملنا في ترقي بلادنا وإسعاد أهلها وجعلهم قوة ذات حياة وحركة متضامنين

في العمل على صيانة الوطن وسلامة العنصر العربي الكريم من الأخطار الحائقة به،

خصوصا في هذا العصر الذي اشتد فيه التنافس بين الأمم في مضمار تنازع البقاء،

وأصبحت كل العناصر العثمانية عرضة لفقد الاستقلال والموت الشائن المهين،

موت الخمود والخمول، إذا استمرت عالة على الحكومة في كل شيء فاقدة كل

وسائل الارتقاء والكمال والاعتماد على النفس.

وإنما نعتمد في هذا التضامن الداعي لنجاة الوطن ونجاة الأمة من الاضمحلال

على ذكاء العنصر العربي الكريم وكفاءة أبنائه واستعدادهم وعلى النية الخالصة لله

وللوطن والدولة، ونرجو أن يؤازرنا على سعينا هذا كل من أظلته سماء البلاد

العربية لنثبت للعالم أجمع أن الأمة العربية التي قوي الزمان على محو معظم الأمم

القديمة لم يقو على محوها، وأن الأمة التي استمد منها العالم القديم روح المدنية

والتشريع منذ ستة آلاف سنة أي من عصر حمورابي وكان العالم الجديد مدينا في

مدنيته لها من ألف سنة أي من عصر الرشيد والمأمون وما بعدهما لا يجوز العدل

والإنسانية أن تسحق بأقدام الطامعين والسياسيين، وإن الأوطان التي أنبتت حمورابي

أول واضع للشرائع المدنية، وأخرجت مثل موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة

والسلام الذين قلبوا نظام العالم الإنساني وأخرجوه من ظلمات الوثنية والرذائل إلى

نور التوحيد والفضائل، لا يجوز أن تكون أوطانا لغير أهلها النابتين من ترابها

والناشئين فيها ما دام في صدورهم نفس يتردد ويدل على الحركة والحياة.

لا يوجد فيما نعلم عربي مخلص تظله راية الهلال العثماني إلا ويريد البقاء

للدولة والحياة مع إخوانه الأتراك تحت راية واحدة هي راية الهلال، ليكونوا قوة له

وهو يكون قوة لهم وكلاهما قوة للدولة، كما أنه لا يوجد عربي يعقل معنى الحياة

والوجود يرضى أن يكون مكانه من هذه الدولة مكان العبد المملوك من المالك،

والمسود من السيد، ولا مكان الأجنبي من الفاتح المستعمر، بل يطلب كل عربي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٦٩