بإرادة سنية، وأن يقبل مبدئيا أن تكون المعاملات الرسمية في البلاد العربية
باللسان العربي فيتيسر أن يكون أولئك الموظفون من أهل الولايات نفسها، وفي هذا
التعديل الذي جاء في البيان حرمان أهل الولايات العربية حتى من الوظائف
الصغيرة كالتسويد وكتابة المحاضر، وفيه من الضرر على صغار المأمورين ما فيه
لأن معظمهم يجهلون اللغة التركية فاشتراط معرفتهم بها بمثل هذا القيد القانوني
يوجب طرد الألوف منهم طردا من وظائفهم الحالية باسم القانون بدلا من فتح الباب
لغيرهم في خدمة حكومتهم المحلية، ومنه أن اتفاقية باريس تقول بلزوم ترك أمور
نافعة للإدارة المحلية، وهذا البيان لم يتعرض ألبتة لهذا الأمر مع أن ترك الأمور
النافعة للولاية واعتبار اللغة المحلية لغة المعاملات الرسمية من أهم ما تعلق عليه
آمال المصلحين في إصلاح إدارة البلاد بيد أهلها والاعتماد في ترقيتها على أبنائها،
ومنها أن اتفاقية باريس نصت على أن يعطى مقدار من المال لسد عجز الدوائر
التي تترك إدارتها للولايات (ويراد بها بالضرورة المعارف والنافعة) ويعطى غير
ذلك نصف رسوم العقارات على أن يصرف للمعارف ولكن المادة التي جاءت في
بيان الحكومة بخصوص مالية الولاية لم يصرح بذلك بل هي غامضة كما يرى
القراء الكرام.
أما ما يتعلق بالمناصب والوظائف التي تقرر أن تعطى للعرب في الاتفاق
المكتوب والاتفاق اللساني المفصل له فنترك الكلام عليه؛ لأنه في نظر حزبنا أمر
ثانوي يراد منه الثقة بتنفيذ تلك المواد على وجهها. على أن هذا البيان على نقصه
وغموضه ومباينته لاتفاقية باريس وعدم الإشارة فيه إلى ما ورد فيها أيضا من
اعتبار قرارات المجالس العمومية نافذة فإنه طرأ عليه نقص آخر لما صدرت
الإرادة السنية بتنفيذها كما يعلم ذلك من مقابلتها ولا حاجة للبيان.
وهذا كله يدل على أن الحكومة لم تستعمل الصراحة في رفض أو قبول
مطالب المصلحين، فكان ذلك داعية الريب فيما تعد به من الإصلاح، ولهذا عدلت
اللجنة العليا لحزب اللامركزية في مصر عما كانت قررته عندما أذيع خبر قبول
الحكومة لمطالب العرب، وهي أن ترسل وفدا إلى الآستانة ليشكر الحكومة على ما
أظهرته من الميل لإجابة مطالب المصلحين، فقد كانت رفعت شكرها ببرقية إلى
الصدارة معربة عن استبشارها بعصر ترق جديد تدخل فيه الأمة العثمانية، وعصر
وئام يكون فاتحة خير وسعادة على العنصرين الكريمين الترك والعرب العثمانيين،
وكتبت بغرضها من إرسال الوفد إلى أحد أركان الدولة منتظرة رأيه في الأمر،
وفي أثناء ذلك أعلن بيان الحكومة فإذا هو كما قدمنا مباين لاتفاقية باريس، ولا
يختلف عن قانون الولايات إلا بشيء طفيف، فأحزن ذلك الذين كانوا مستبشرين
بحسن نية الحكومة من الشعب العربي، وأوجب عدول اللجنة العليا عن إرسال
الوفد، وكتبت ببيان السبب إلى أحد أركان الدولة الذي كانت كتبت إليه قبل ذلك.
ومما جاء في آخر كتابها الذي أرسل باسمها من رئيس اللجنة العليا قوله:
ولما جاءت التلغرافات العمومية مبشرة بتصديق الحكومة على الاتفاقية التي
تمت مع العرب رأينا أن نبرهن للحكومة على إخلاصنا وحسن نيتنا وعلى شكرنا
العظيم فقدمت تلغرافا بالنيابة عن اللجنة للصدارة أعرب فيه عن شكرها وآمل أن
نكون دخلنا في عصر جديد من عصور الإصلاح الحقيقي وذكرت فيه أن حزبنا
سيوفد وفدا خاصا لتقديم الشكر للحكومة، ورغما عن تكذيب مركز الاتحاد والترقي
لخبر هذا الاتفاق بصورة مهينة لطلاب الإصلاح كما رأيتم ذلك بالضرورة في
جريدة طنين فإن اللجنة كانت باقية على هذا العزم لاعتبارها أن الحقائق هي التي
كان دون ما في بروغرام حزب اللامركزية إلا أنه يكفي للدلالة على حسن التفاهم
مع الحكومة والسير في سبيل الإصلاح ولو بالتدريج، وليس لنا غاية من وراء ذلك
كما يشهد الله.