(4) إذا أردت الاطلاع على الجواب تفصيلا عن شبهتهم في لفظ السامري الوارد في القرآن أنه هو الذي صنع العجل، فاقرأ مقالات القرآن والعلم في المنار (مجلد 11 جز 4 صفحة 286) وكذلك كتاب الدين في نظر العقل الصحيح (صفحة 114 - 116، وص 98 و99) من الجزء الأول من كتاب الهدى إلى دين المصطفى لأحد علماء الشيعة المحققين، وملخص الجواب وأحسنه أن تعريب لفظ شمرون العبري بكسر الشين وبضمها كما في (ش 11: 1 و1 مل 16: 24 و1 أي 7: 1) هو سامر أو سامرة، فالسامري وبالعبرية شمروني بكسر الشين هو أحد الشمرونيين (عد 26: 24) أولاد شمرون بن يساكر بن يعقوب (تك 46: 13) وكانوا من عشائر بني إسرائيل المعدودين في الجند على عهد موسى عليه السلام، وخرجوا معه من أرض مصر (انظر تك 46: 8 و13 وعد 26: 4 و24) فالسامريون الذين منهم سامري القرآن هم أولئك الشمرونيون لا السامريون الحاضرون الذين وجدوا بعد موسى بقرون واعلم أن لفظ شمرون بكسر الشين ورد في كتبهم علما لشخص كما في (1 أي 7: 1) كما في (يش 11: 1 و19: 15) وشمرون بضم الشين وردت اسما لجبل ولمدينة كما في (1 مل 16: 24) وكلا اللفظين من مادة واحدة في العبرية ومعناها الحفظ وربما كان ضبطهما في الأصل واحدا فأخطأوا فيه على ممر الأزمان وخصوصا لأن جمهورهم كان قد نسي اللغة العبرية القديمة بعد سبي بابل (انظر نح 8: 8) وهذا الضبط (الشكل) الحالي لم يكن عندهم قديما بل أحدثوه بعد المسيح بقرون، وإذا صح فلا يمنع مما ذكرنا.
(5) وليس هذا التعريب المذكور هنا ببدع في اللغات، ألا ترى أن الإفرنج تسمي جبل طارق مثلا في لغاتهم جبرولتار Gibraltar وكان العرب يستبدلون في لغاتهم شين العبرية المعجمة بالسين المهملة، حتى إن أهل الكتاب اليهود يعربون شين العبرية سينا فشمرون بضم الشين كما في (1 مل 16: 24) يسمونها السامرة، وكذلك موشى بالشين موسى ويشوع يسوع أو عيسى كما سماه القرآن الشريف، وكما هو في اللغة اليونانية وغيرها أبيس Iesous وفي الإنكليزية جيسس Jesus ويسمي الإفرنج أيضا شمرون هذه ساميريا Samaria فكل اللغات تتصرف بالأسماء المنقولة، فلم يستبيحون لأنفسهم وللناس ذلك ولا يبيحون للقرآن أن يسمي أحد الشمرونيين بالسامري، وهو من التعريب المعروف في لغته، فإن قيل: إذا كان هذا الرجل معروفا شهيرا بين بني إسرائيل حتى إذا أطلق لفظ السامري في زمنه فلا ينصرف إلا إليه، فلماذا لم تذكره كتبهم؟ قلت: الظاهر أن كتبهم - مع طولها ولغوها - لم تستقص كل شيء فكم من أشياء ترك ذكرها فيها لسبب ولغير سبب، ألا ترى أن بولس ذكر في إحدى رسائله أن ينبس ويمبريس قاوما موسى (2 تي 3: 7) ولا وجود لهذين الاسمين في الأسفار الموسوية أو غيرها مطلقا ولا تعرفهما اليهود، وكذلك ذكر يهوذا في رسالته أن ميخائيل خاصم إبليس بخصوص جسد موسى (عدد: 9) وأن أخنوخ تنبأ عن مجيء الرب مع قديسه (عدد ع 14) ولا وجود لشيء من ذلك في باقي أسفار كتابهم المقدس فهل يدل هذا على كذب بولس ويهوذا؟ فالحق أن اليهود لم تخص السامري هذا بالذكر؛ لأنهم أرادوا أن ينسبوا لهارون عمل العجل كما نسبوا لسليمان الكفر، وكما نسبوا لغيرهما ما نسبوا، ولم يعمل السامري شيئا آخر بينهم قبل ذلك أو بعده حتى يذكروه في غير هذا المقام، فلما طال عليهم الأمد نسوا قصته إلا قليلا منهم، فإن الظاهر أن القرآن لم يخالف في ذلك بعض روايات أهل الكتاب من العرب وهي التي كان يرويها عنهم ابن عباس وغيره كما في التفاسير ولذا لم يسمع أنهم انتقدوا عليه هذه القصة، ولو خالفهم لانتقدوها عليه كما انتقدوا عليه قوله عن مريم إنها أخت هارون وغير ذلك راجع كتاب الجواب الصحيح لابن تيمية (جزء 1 ص 70 - 73) على أن من راجع ما يكتبه الآن علماء الإفرنج في كتبهم المقدسة علم أن هذه الكتب أصبحت مشكوكا فيها لدرجة أن الإنسان لا يصح له أن يجزم بأي خبر فيها ولو كان مما يتوهمه متواترا بين أهل الكتاب إذ لا شيء متواتر بينهم، ولا مقطوع بصحته، ولا مجزوم بأصله وحقيقته إلا القليل فذكرها للشيء وعدمه عندنا سيان.