تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تتلوها هبات ووثبات قوية، وكانت نومتهم قبل الإسلام أطول نوماتهم زمنا،

وهبتهم بعدها أشرفها وأعلاها أثرا، وقد عادوا إلى النوم بعدها وتاريخهم يصيح بهم

من ورائهم، وتلاميذهم في الحضارة يهيبون بهم من أمامهم: النوم في هذا الزمان

سبات، فمن نام مات، ومن مات فات.

فيا أيتها الأمة العربية، الجامعة لأشرف الخصائص البشرية، وأفضل

الخصال وأنواع الكمال، يا أيتها الوسيلة الوحيدة لجمع كلمة الشعوب الإسلامية

العديدة، يا ذات الاستعداد الفطري العجيب للنهضتين الدينية والمدنية.

لقد آن أوان هبتك لدفع جور الزمان، وحان وقت وثبتك لكف يد الحدثان فقد

بدا نجيث القوم، وبرح الخفاء فلا خفاء اليوم، وبلغ السيل الزبى، وبلغت العظم

سكين العدا، فهبي - بارك الله فيك - من هذا النوم فإن النوم في هذا الزمان سبات،

فمن نام مات ومن مات فات.

يا أيها العرب، يا أشد العناصر الإسلامية أنفة وحمية، وأقواهم جنسية

وعصبية، وأحرصهم على إباء الضيم، وأبعدهم عن موجبات العذل واللوم،

وأصبرهم على المكاره والشدائد، وتذليل المصاعب في سبيل الوصول إلى المقاصد

وأنشطهم على التغرب والسياحات، وأثبتهم في طلب أشرف الغايات، وأعشقهم

للاستقلال والحرية، وأعرقهم في الفضائل النفسية، وأعلمهم بقواعد الدين،

وأقدرهم على حماية دعوته، ورفع شأن أمته، وصيانة دينه وشريعته، وأجدرهم

بتولي إصلاح شئون المسلمين، في أمري الدنيا والدين.

لقد أتتكم فالية الأفاعي أيها العرب، وجاوز الحزام الطبيين والتقى البطان

والقتب، فقوموا يا معقد الآمال وهبوا لتلافي ما فات، وتدارك الأمر قبل الفوات،

وحفظ الأمة من الشتات، وانفضوا عن أعينكم غبار هذا النوم، فإن النوم في هذا

الزمان سبات، فمن نام مات، ومن مات فات.

يا أيتها الأمة العربية، يا ذات الأخلاق الرضية والعقول الزكية، يا طيبة

الأصول والأغصان، باهرة العروق والافتنان، يا ناضرة الأزهار وحلوة الثمار،

يا أقدم الأمم حضارة ومدنية، وأسبقها في وضع قواعد تساوي الحقوق وتقارب

المراتب في الهيئة الاجتماعية، وأهداها إلى قوانين المعيشة الاشتراكية، وأرعاها

لأصول الشورى في الشئون العمومية يا مهذبة الأخلاق والعادات، ومقومة العقول

والاعتقادات.

قومي - أيدك الله ورعاك - فأرجعي الأنفس عن غيها والعقول عن زيغها،

والأفهام عن ضلالها، والقلوب عن قساوتها، وردي الأخلاق إلى نصابها،

والحقوق إلى نقطتها والعقائد إلى مركزها، وأنقذي أبناء آدم من الحالة السيئة التي

وصلوا إليها، وخذيهم إلى المستوى الذي يليق بهم، اصعدي بهم إلى الفلاح في

الدارين، والسعادة التامة في الحياتين، فقد وهبك الله من ذلك ما لم يهبه لقوم، فهل

يليق بك ويحسن منك هذا النوم في هذا اليوم، وإن النوم في هذا الزمان سبات،

فمن نام مات ومن مات فات.

يا أيها العرب، يا هداة الأمم إلى الطريق الأقوم، وكاشفي الظلم والظلم،

ودافعي الكروب والنقم، يا باذلي المعروف ومغيثي الملهوف، ومجيري الضعيف

من القوي المخيف، يا محرري الأقوام من رق الاستعباد ومشيدي صروح العلوم

في كل قطر وواد، وناشري ألوية العدل والأمان والسكينة في جميع البلاد ورافعي

مرتبة الحق والصدق والأمانة في كل محفل وناد، ومؤسسي معاهد التمدن

والحضارة في القرى والبواد.

قوموا لما خلقتم له أعانكم الله فإن شعوب العالم الإسلامي في مشرق الأرض

ومغاربها وشمالها وجنوبها قد توجهت إلى جهتكم وجوهها، وامتدت إليكم أعناقها،

وشخصت نحوكم أبصارها، وصغت لكم قلوبها، وأنصتت لما يحدث عنكم أسماعها،

وتعلقت بكم آمالها، ونيطت بقضيتكم آجالها، وهي تستصرخكم لحماية الدين

فأجيبوها، وتستغيث بكم من جور الظالمين فأغيثوها، وتستنجد بهممكم على صيانة

حقوقها فانجدوها، وتستثير عزائمكم وتدعوكم لهذا الخطر الرهيب فلبوها، وترجو

وتؤمل فيكم فلا توئسوها، وكونوا عند رجائها وأملها، وبادروا ذوي الآمال بآمالهم،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٣٣