والحرية الشاملة، والسيادة الكاملة، والسلطة العادلة، فتصلحون وتصلحون،
وتسعدون وتسعدون، وتنالون وتعطون.
فإن القصور الشواهق والأرائك والنمارق، واتساع مساحة البلاد، وكثرة عدد
الأفراد، وشرف الآباء والأجداد، والألقاب الضخمة، والمركبات الفخمة، وإمارة
موهومة بأيدي أفراد معدودة، وثروة معلومة في قبضة جماعة محدودة، لا تعصم
الأمة من مصارع الاستعباد، وشقاء العبيد والأسياد وتعاسة الأبناء والأحفاد،
واحتلال الأجنبي للبلاد، واستئثاره بخيراتها، وتفرده بنعمها وحاصلاتها، ولا تصد
الأغيار عن إهانة الدين وإذلال المؤمنين، وهتك الحرمات وقتل الإرادات والتحكم
في الأموال والرقاب، والتصرف بالخيول والقصور والقباب.
إذا لم يقبض على دفة سفينتكم أيها المسلمون في هذا البحر العجاج بحر الحياة
الواسع الأرجاء، وسط تلك الأمواج المتلاطمة أمواج تنازع البقاء، بين هاتيك
العواصف المتناوحة، عواصف تغلب الأقوياء على الضعفاء ملاح مدرب، خواض
غمرات، وربان مقذف طلاع تلعات، ولم يقم بالأمر حكيم حنكته التجارب، وعليم
بالبوادر والعواقب، ولم يتول الزعامة قائد بصير باقتحام المضايق، وخبير بالمفاتح
والمغالق صبور على المشكلات وجسور لدى الغارات، مدرب على المصاولات
والمجاولات، كالشعب العربي الذي يعترف العالم باستعداده وخبرته وقدرته، وتقر
الأمم بإقدامه وصبره وقوته، ويشهد الله وملائكته وجميع مخلوقاته على عدله في
سلطته وفضله في حكومته ونبله في سيرته، وعلى عظيم أعماله وكريم أفعاله
وقويم خصاله، وكمال أهليته، وتمام جدارته ولياقته.
فقوموا - أعانكم الله - وسارعوا إلى الانضمام إلى هذا العنصر الكريم
بعلومكم ومدارسكم ونفوسكم ونفائسكم وأموالكم وأعمالكم، وارحلوا إليه من كل
مكان، واهجروا للاتصال به الديار والأوطان، واختلطوا به اتحادا تاما روحا
وجسما حسا ومعنى قولا وفعلا سعيا وعملا، بحيث تكون أجسامكم كتلة واحدة،
وقلوبكم مضغة واحدة، وعزائمكم عزيمة واحدة، وهممكم همة واحدة، وقواتكم قوة
واحدة، وغاياتكم غاية واحدة، ونهاية أعمالكم إلى نقطة واحدة، ومنتهى
مساعيكم إلى مصلحة واحدة ليتحقق فيكم قوله تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ (الأنبياء: 92) فيهب هذا العنصر القوي بكم هبته المعروفة، ويثب بكم كما
وثب من قبل بآبائكم فيبدد هذه الشرور المتفاقمة.
واعلموا - بصركم الله - أن العمل لإيقاط العرب من نومهم عين العمل
لإحياء الوحدة الإسلامية التي ما وحدت في القرون الأولى إلا بالعرب، وإن البذل
لمساعدة العرب على إحياء مجدهم عين البذل لإعادة مجد الإسلام الذي ما تأسس
بناؤه من قبل إلا بأيدي العرب ونفوس العرب وأرواح العرب وقلوب العرب،
وإنهما لن يعودا مرة أخرى إلا بالعرب متحدين ومتفقين مع سائر الأجناس من
المسلمين، ولقد قال عليه الصلاة والسلام (إن الإيمان - أي أهله - ليأرز إلى
المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها [3] ) وقال جل جلاله: {ثلة من الأولين *
وقليل من الآخرين} (الواقعة: 13-14) ، {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا
تذكرون} (الواقعة: 62) .
هذا ما أوحى به اللب، وأرشد إليه القلب، وهدى له الإيمان، وتوفيق
الرحمن، وجالت فيه البصيرة وأنعمت الفكرة، وأملاه الوجدان على اللسان،
فتحرك لتسطيره وعرضه بالقلم والبنان، فإن كنت أصبت المرمى، فأسأل الله أن
يوفق إخواني المفكرين للعمل به ويعينهم على تحضير هذه الوصفة ومناولتها لهذا
المحتضر بكل تحفظ واحتياط وصبر وثبات، وإن كنت أخطأت الهدف، وعدوت
فصرت دون الغرض، ولم أهتد إلى سر هذا الأمر فما أنا بأول سار غره القمر،
وأرجو أن يجازيني الله على حسن نيتي، ويتجاوز عن زلتي ويغفر لي خطيئتي،
إنه هو الرؤوف الرحيم.
* * *
خاتمة
وخطاب لإيقاظ الأمة النائمة
قال السيد الإمام منشئ المنار [4] : إن للعرب في التاريخ القديم نومات طويلة،