تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخذف، فغاب عنه إبليس، ثم مضى إبراهيم في حجه) الحديث.

وليس تمثل الشيطان للأنبياء ولا ظهوره لهم بغريب في قصصهم ففي الإنجيل

المعتمد عند النصارى أنه ظهر للمسيح عليه السلام وجربه تجارب طويلة.

فإذا صح أن إبليس عرض لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في أثناء أداء

مناسكه بظهور ذاته أو مثاله، أو بمجرد التصدي للوسوسة والشغل عن ذكر الله

تعالى فلا غرابة في قذفه ورجمه كما يطرد الكلب، فمن المعروف في الأخلاق

والطباع أن يأتي الإنسان بعمل عضوي يظهر به كراهته لما يعرض له حتى من

الخواطر القبيحة ودفعه عنه وبراءته منه، فأخذ الحصيات ورميها مع تكبير الله

تعالى من هذا القبيل، وإن حركة اليد المشيرة إلى البعد لتفيد في دفع الخواطر

الشاغلة للقلب.. والرجم بالحجارة بقصد الدلالة على السخط والتبري أو الإهانة

معهود من الناس، وله شواهد عند الأمم كرجم بني إسرائيل مع يشوع (النبي

يوشع عليه السلام) لمجان بن زراح وأهله وماله من ناطق وصامت (كما في7: 24

و25) من سفر يشوع، وكرجم النصارى لشجرة التين التي لعنها المسيح، ورجم

العرب في الجاهلية لقبر أبي رغال في المغمس بين مكة والطائف؛ لأنه كان يقود

جيش أبرهة الحبشي إلى مكة لأجل هدم الكعبة حرسها الله تعالى.

والعمدة في رمي الجمار ما تقدم من قصد التعبد لله تعالى وحده، بما لا حظ

للنفس فيه اتباعا لإبراهيم أقدم رسل الله الذين بقيت آثارهم في الأرض، ومحمد

خاتم رسل الله ومكمل دينه ومتممه الذي حفظ دينه كله في الأرض، صلى الله

عليهم أجمعين.

قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في بيان أسرار الحج من الإحياء: وأما

رمي الجمار فليقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق والعبودية، وانتهاضا لمجرد

الامتثال، من غير حظ للعقل والنفس في ذلك؛ ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم عليه

السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه

شبهة أو يفتنه بمعصية فأمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأمله

فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه وأما أنا فليس يعرض لي

الشيطان، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك

في الرمي، ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به؟

فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي، فبذلك ترغم أنف الشيطان.

واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه

الشيطان وتقصم به ظهره، إذا لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه

وتعالى تعظيما له بمجرد الأمر، من غير حظ للنفس والعقل فيه اه.

* * *

حكمة الرمل في الطواف والسعي بين الصفا والمروة

الطواف بالكعبة المعظمة والرمي والسعي بين الصفا والمروة من مناسك

الحج وشعائر الإسلام، من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وروي أن هاجر

رضي الله تعالى عنها كانت تسعى بينهما والهة حيرى عند حاجتها إلى الماء زمن

ولادتها إسماعيل حتى هداها الله تعالى إلى بئر زمزم.

والعمدة في هذه العبادة ما ذكرناه في الكلام على رمي الجمار من إقامة ذكر الله

تعالى في هذه المعاهد التي هي أقدم معاهد التوحيد المعروفة في الأرض وإحياء

سنن المرسلين فيها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما جعل الطواف بالبيت

وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) رواه أبو داود والترمذي وقال:

حسن صحيح من حديث عائشة. وأذكاره معروفة في المناسك.

وأما الرمل فيه فهو سنة نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة ومعناه سرعة في

المشي مع تقارب الخطوات من غير عدو ولا وثب، ويسمى الخبب أيضا فهو دون

العدو وفوق المشي المعتاد، فإن زادت السرعة كان عدوا.

أما سبب الرمل في الطواف والسعي بهمة ونشاط بين الصفا والمروة فهو كما

يؤخذ من عدة أحاديث إظهار قوة المسلمين للمشركين، وكان قد علم النبي صلى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٠١