تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لها أن تقطع من الغابات المجاورة للخط كل ما تحتاج إليه من الأخشاب، ويحق لها

أن تنشئ المخازن والفنادق ومعامل الكهرباء وغيرها عن جانبي الخط. ويحتمل

كثيرا أن تنشئ المستعمرات الألمانية في كل جهة طيبة الهواء والماء خصبة

الأرض من الجهات التي تجتازها تلك الخطوط. ولقد كان مديرو الشركة كتبوا إلى

ناظر العثمانية كتابا في سنة 1903 وعدوا فيه بأن لا يجلبوا النزلاء الأجانب أو لا

ينشئوا المستعمرات الألمانية في الجهات المجاورة للسكة، ولكن المارشال فون

درغولتز باشا صرح منذ عامين بأن السلطان السابق عبد الحميد كان آخر حكمه يود

أن يرى النزلاء الألمان يزدادون ويكثرون في آسيا الصغرى ورجال الحكومة

العثمانية الآن لا يقاومون ألمانيا من هذه الوجهة.

وبواسطة تلك السكة وفروعها وتلك الشروط وتلك الحقوق التي حصلت عليها

ألمانيا تستطيع نشر نفوذها وبسط يدها وإرساخ قدمها وإدراك مآربها الاستعمارية في

بلدان مترامية الأطراف أعيا بعضها الفاتحين وأعجز المغيرين في الأزمنة السالفة،

وكل ذلك دون أن تريق ألمانيا نقطة دم ألماني، وقد تأسست شركة سكة بغداد برأس

مال لا يزيد على مائة وخمسين ميلون فرنك ولم يدفع منه إلا قيمة النصف فقط،

ومع ذلك لم يفشل المشروع ولا رجعت ألمانيا القهقرى في هذا السبيل بل خدمها

حسن الحظ وحالفها النجاح وساعدتها إنكلترا نفسها على تحقيق أمانيها فماذا يكون يا

ترى بعد عشرين أو ثلاثين عاما حين تتوطد قدم ألمانيا ويعظم نفوذها ويرسخ في

تلك البلدان الشاسعة الواسعة؟ ومهما عززت إنكلترا مركزها في الخليج الفارسي

فإن المنائر الإنكليزية في ذلك الخليج لا يمكن أن تكون قلاعا منيعة أو حواجز متينة

تصد تيار المطامع الألمانية. فألمانيا قد حصلت على ما لم يحصل عليه غيرها

ومستقبلها يهدد مستقبل سواها.

فمن الغريب - وهذا حظها - أن تطلب الآن تعويضا.

* * *

التنازل عن العراق

جاء في عدد السبت 2 رجب من المؤيد تحت هذا العنوان ما نصه:

كتب (مسلم) في أحد أعداد المؤيد الماضية مقالة قال فيها: كيف يتأثر القوم

لوقع المصاب وهم الذين تبرعوا بهذه العملية المؤلمة لسواهم، وهي علمية بتر هذه

البلاد الخليج الفارسي والعراق من جسم السلطنة العثمانية، وقد تمت هذه العملية

وجرائدهم ساكتة صامتة لا تبدي حراكا كأن الحادث لا يستحق أن تراق فيها نقطة

من حبر على صفحات تلك الجرائد.

وأنا لم أكن يومئذ على رأي حضرة (المسلم) فيما قاله عن جرائد الآستانة؛

لأنني خدعت بما قرأته من المقالات الطوال في الاحتجاج على ضم النمسا جزيرة

(أطه قلعه) إلى أملاكها، وقد بلغ عويل صحف الآستانة في هذه المقالات درجة

استغربتها جريدة عزم التركية التي تصدر في الآستانة فقالت في عدد يوم 19 مايو:

لا ندري هل القيامة قامت؟ هل ذهبت البقية الباقية من أملاكنا في أوربا؟ هل

احتل الأعداء عاصمتنا؟ هل أخذت الخلافة من يدنا؟ هل رفعت سوريا لواء

الثورة؟ أم استولى الإنكليز على بغداد؟

لا لم يحصل شيء من هذا ولكن (أطه قلعه) ذهبت، وعليها تبكي الصحف

هي تبكي على أطه قلعه التي خرجت من يدنا منذ ربع قرن.

إلى هذا الحد بلغ اهتمام صحف الآستانة بحادث أطه قلعه ولذلك لم أر معقولا

أن تسكت عن حادث الخليج الفارسي والعراق، فلما قرأت مقالة المسلم الفاضل

صرت أبحث فيما وصل إلينا من جرائد الآستانة هل هي تسكت حقيقة عما تم في

العراق، وإذا هي سكتت فهل تعتذر، وماذا عسى يكون عذرها؟

بقيت على هذه الحال إلى أن وصل مع البريد الأخير عدد 25 مايو من جريدة

وظيفة وهي الجريدة التي تتكلم بلسان العنصرية التركية وقد صارت في المدة

الأخيرة أكثر صحف الآستانة حرية وشجاعة؟ أو هي أقلهن تذبذبا وتملقا في هذا

الوقت الذي لم تبق فيه صحف معارضة هناك، فرأيتها تعتذر عن سكوتها بقولها:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٢٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٢٨٥