فليتفضل علينا المؤلف ويذكر لنا أديبين أو ثلاثة من هؤلاء غير ذلك الوالي
البرمكي المصروف عن ولايته بالسند الذي جعل ذهبه في أشكال الإهليلج إن جاز
له أن يدعي أنه كان أديبا عالما.
ومن هذا القبيل شيء كثير في الكتاب.
***
تقليده مستعربي الفرنجة حتى في الخطأ
للمصنف ولع بنقل ما يكتبه المستعربون عن العرب وآدابهم، ولو خالف
الواقع، ومن ذلك نقله فصولا برمتها مشوبة بالخطأ من كتاب نيكلسن
الإنكليزي، وبروكلمان الألماني مثل مقالة الشعر في العصر الأول وغيرها.
* * *
اضطراب التبويب والتقسيم
إن بعض مقرظي هذا الكتاب وصفه بأن أهم ما يمتاز به عن كتب
المتقدمين هو حسن تبويبه وتقسيمه، ولكني لسوء حظي لم أوفق إلى سر
تبويبه وتقسيمه لهذا الكتاب؛ إذ أجد ما يصلح أن يذكر في تاريخ الآداب وما
يلزم أن يوضع في كتب آداب الفرنجة وضع في أدب العرب، وما ينبغي أن
يجعل في عصر ظهور الإسلام جعل في عصر بني العباس، ومن يجب أن
يترجم له في عصر معين أو طائفة بعينها ترجم له في عصر غير عصره أو
طائفة غير طائفته إلخ إلخ، بحيث تضطرب المباحث وتتداخل العصور
ويلتبس الأمر على القارئ فلا يدري خاصة كل عصر، فمن ذلك:
(1) ذكر القرآن الكريم والعلوم التي تفرعت منه وبيان تأثيره في آداب
الجاهلية من الخطابة والشعر والإنشاء واللغة وبيان تأثيره من الوجهة الاجتماعية
والأخلاقية، مع أن محل ذلك مبدأ ظهور الإسلام؛ إذ هو وحده مبدأ هذه التفريعات.
(2) ابتداء المؤلف هذا الجزء بالكلام المسهب في العلوم الدخيلة
وتراجم رجال اليونان وتأخيره الشعر العربي والعلوم العربية والشرعية عن
موضعها مع أنها هي المباحث العربية الأولى بالتقديم؛ لأن الكتاب صنف في
آداب اللغة العربية لا الدخيلة، ولو سلمنا أن للمؤلف سرا في تقديم الدخيلة،
فما هو السر في أنه أخرها عن الشعر العربي والعلوم العربية والشرعية في
العصر الثاني والثالث؟
(3) إسهابه في صفحة 119 و 120 في حالة العناية بأمر اللغة في
زمن بني أمية، وكان الأليق أن يذكرها في الجزء الأول الخاص بآداب
الجاهلية وعصر الخلفاء الراشدين وبني أمية.
(4) إسهابه في الكلام على الأغاني في عصر بني أمية في هذا الجزء
الخاص ببني العباس، ومن حقه أن يذكر في الجزء الأول.
(5) ذكره أن احتدام الخلاف بين النحويين: الكوفيين والبصريين
حصل في العصر الثاني وما بعده من عصور الدولة العباسية، والحقيقة أن الخلاف
أشد ما كان بين كوفي وبصري قد كان في العصر الأول. وأما الثاني والثالث
وما بعدهما فقد هان فيها الخلاف ووجدت مذاهب ملفقة من المذهبين، فكان
الأولى ذكر هذا المبحث المسهب في العصر الأول.
(6) ومن ذلك تأخيره الكلام في نشأة علم الفرائض إلى العصر الثالث
مع أنه قديم دون منذ دون الفقه، فكان الواجب ذكره في العصر الأول.
(7) ومن ذلك ذكره عددا كثيرا من الشعراء، والعلماء المصنفين من
أهل عصرين، العصر الذي يليه أو الذي قبله، ويعلم ذلك من وفياتهم، فلينتبه
القارئ، ولولا أني سئمت من كثرة التعداد لأتيت عليهم جميعا، وكثيرا ما يذكر
المؤلف علماء فن مع علماء فن آخر وشعراء نوع في شعراء فن آخر، وإن
شاء المؤلف أن نفصل له هذا الإجمال، ونذكر من هم الذين عاملهم بهذه المعاملة
فنحن على كتب من إجابته.
* * *
تهافت المؤلف
للمؤلف تهافت وولع بالشيء لا يؤبه له أو بالأمر يناسب مقاما خاصا فيقحمه في
كل مقام، كما فعل هذا في كتابه هذا وغيره في مواضع شتى فمن أمثلة ذلك:
ولعه بمسألة النشوء والارتقاء يقيس بها كل أمر حتى خرج به القياس
إلى عكس ما يراد بها، فذكر في هذا الكتاب صفحة 221 أن اضطراب الخلافة
الإسلامية وانحلالها إلى إمارات وممالك صغيرة متنافسة متشاكسة من دواعي النشوء
والارتقاء، في حين يعده المؤرخون من دواعي الانقراض والفناء، كما هي النتيجة