تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ممن صحح أغلاط بطليموس في محيط الأرض وقطرها ومقياس الدرجة

الأرضية.

(4) ومن تناقض المؤلف وتحيره في قوله في أبي العتاهية: (وقد

نظم في كل أبواب الشعر وامتاز منها بالزهد، ويؤخذ من سيرة حياته أنه كان

مترددا متقلبا ويغلب ذلك في طباع الشعراء؛ لأنهم أهل خيال وأوهام،

وخصوصا الذين يستجدون بشعرهم، فإنهم يتقلبون مع الأهواء ويسعون وراء

النفع حيثما كان، على أن تمنع أبي العتاهية عن قول الغزل بعد أن أمره به

الرشيد يخالف هذه القاعدة ولكن لعل له سببا حمله على ذلك.

ما قولك أيها القارئ في هذه العلل التي لو صدقت - لا قدر الله - على

كل شاعر يتكسب بالشعر كأبي العتاهية لتبرمت الدنيا بكثرة المحرورين

والموسوسين المتخبطين، على أن الله أرحم من أن يصدق زعم المؤلف في

الشعراء من عباده، فلم تر بعد أبي العتاهية من يشبهه في سودائه، والحمد لله.

* * *

الاختصار فيما ينبغي الإطناب فيه

(والإطناب فيما ينبغي الاختصار أو فيما هو أجنبي من موضوع الكتاب)

من أعجب أمور المؤلف أنه يعلم ويعلم أن الناس تعلم أنه يؤلف كتابه في

آداب اللغة العربية لا آداب اللغة اليونانية القديمة ولا الفارسية ولا الهندية ولا

السريانية ولا اللغات الأوروبية الحاضرة، ثم نراه إذا خاض في ذكر مبحث

من مباحث الآداب العربية أو عدد نبغاء، أو ذكر ترجمة شاعر نابغ أو كاتب

أو مصنف اقتصر على ذكر نتف قليلة من المبحث، أو اقتصر على العدد

القليل من مشهوري النبغاء، واختصر تراجمهم مكتفيا بذكر ما لا يلزم الناقد

الأديب وبذكر الكتب التي يراجعها من شاء التوسع، وقد لا تزيد عن كتابين

معروفين لأكثر الناس لا حاجة للدلالة عليهما، على حين أنه يطول في كثير من

المواضع حتى ليكرر كثيرا من المباحث في غير مكانه لمجرد ولعه وإعجابه، بل

يخرجه ولعه بالشيء أن يدخل في كتابه مباحث مطولة جدا ليست من

موضوع آداب اللغة العربية وتراجم أناس ليسوا من العرب، ولا خالطوا

العرب، فمن النوع الأول:

(1) اختصاره في تراجم مشهوري الشعراء، واقتصاره منها على ذكر

نتف جافة قلما يتعرض فيها لنقد أو موازنة أو تقرير حكم معتذرا عن ذلك بأنه

ليس من الأدباء المتفرغين للدرس والنقد، قال في صفحة 58 عند ذكر سبعة

من شعراء العصر الأول:

(وإليك تراجمهم على هذا الترتيب بما يقتضيه المقام من الإيجاز، وإلا

فإن كلا منهم يحتاج في بسط ترجمته إلى مجلد قائم بنفسه، فنترك ذلك إلى من

تفرغ للدرس والنقد من الأدباء) .

ونحن نسلم معه أنه ليس من المتفرغين للدرس والنقد من الأدباء، ولكن

لا نسلم أن من لم يتفرغ للدرس والنقد من الأدباء يوثق بقوله، أو يعتد برأيه

في هذا الباب، أويظن أنه باختصاره آثر الأهم على المهم، وأي مقام يفرض

عليه الإيجاز الخالي من الحكم الأدبي، والكتاب ليس مذكرة مدرسية تنطبق على

برنامج مدرس مختصر، وإنما يقصد المؤلف به أن يكون مرجعا لجمهور المتأدبين

من القراء الشداة لا التلاميذ الأحداث، بدليل أن حضرته وعد في كتابه هذا

أن يختصر منه ملخصا لتلاميذ المدارس، على أن الذي يستطيع أن يؤلف مجلدا

في ترجمة شاعر لا يعجزه أن يلخص هذا المجلد في صفحة أو اثنتين بحيث يشير

في كلامه إلى نتيجة البحث والنقد.

(2) ومن اختصاره أو اقتصاره أو تقصيره أنه لم يترجم لأحد

من كتاب الرسائل في العصر الأول ولا الثاني، أي في مدة مائتي سنة وهما

عصرا البلاغة والجزالة، إلا لاثنين، أحدهما عمرو بن مسعدة، والآخر القائد

طاهر بن الحسين فاتح بغداد، وقاتل الأمين، ووالي خراسان، وقد علمت أنه

ليس من كتاب الرسائل ولا عمل في ديوان.

مع أن كتاب الرسائل في هذين العصرين لا يقل النابغ منهم عن عشرين

تولى أكثرهم الوزارة، أو ديوان الرسائل والتوقيع والخاتم، كعمارة بن حمزة

وأبي عبيد الله ويعقوب بن داود وزيري المهدي وخالد بن برمك وابنيه الفضل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ١٩