تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العرب هي العدل والرحمة، لا الصناعة التي امتاز بها مؤسسو الأهرام وأمثالهم،

وكانت ولا تزال شاهدة على استبدادهم وظلمهم.

كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز يشكو إليه قلة دخل بيت المال بمصر

بكثرة دخول الناس في الإسلام، ويستأذنه في ضرب جزية على المسلمين، فكتب

إليه عمر هذه الكلمة العالية (إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - بعث هاديا، ولم

يبعث جابيا) .

وكتب إليه عدي بن أرطأة: أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين، فإن قبلي

أناسا من العمال قد اقتطعوا من مال الله - عز وجل - مالا عظيما لست أرجو

استخراجه (وفي رواية: لست أقدر على استخراجه) من أيديهم إلا أن أمسهم

بشيء من العذاب، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فعل، فأجابه بقوله:

(أما بعد فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر، كأني لك

جنة من عذاب الله، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل، فانظر من

قامت عليه بينة عدول فخذه بما قامت عليه به البينة، ومن أقر لك بشيء فخذه بما

أقر به، ومن أنكر فاستحلفه بالله العظيم وخل سبيله، وايم الله لأن يلقوا الله - عز

وجل - بخياناتهم، أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم. والسلام) .

وروي عن يحيى الغساني أنه قال: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل

قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقا ونقبا، فكتبت إلى عمر أعلمه حال البلد وأسأله:

آخذ الناس بالظنة، وأضربهم على التهمة، أم آخذهم بالبينة، وما جرت عليه

السنة؟ فكتب إلي أن خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم

الحق فلا أصلحهم الله، قال يحيى ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت

من أصلح البلاد، وأقلها سرقا ونقبا.

ومن ضروب العبرة في هذه الحرب ما تراه في كلام كثير من الكتاب من

بنائها على قاعدة من قواعد المدنية الحديثة قررها الألمان، وتوسعوا في فلسفتها،

وألفوا فيها الكتب، ووافقهم عليها من وافقهم بالقول والفعل ودون القول - وهي

قاعدة " الحق للقوة " - وقد نشرنا في الجزء الذي قبل هذا مقالا في شان الكتاب

الذي ألفه أحد قواد الألمان وعلمائهم (الجنرال فون برنهاردي) في ذلك وسماه

(المنطق والمبادئ في الحروب) ، وفي نقد مجلة القرن التاسع عشر الإنكليزية له،

ومنه تعلم أنهم جعلوا الأثرة وتفضيل الأقوياء على الضعفاء حتى في الحقوق المدنية

مما تقتضيه الفضيلة والحكمة، بل زعموا أنه من أصول الديانة المسيحية وأحكامها،

وأن مساواة الشعب الغالب للشعب المغلوب لا يجوز في نظر العلم والفلسفة ولا

في حكم الدين.

ندع لعلماء اللاهوت ورجال الكنسية حكمهم فيما عزاه الجنرال الألماني في

الإيثار (الذي يعبر عنه القوم بإنكار الذات) ، وهو ضد الأثرة التي يدعيها هذا

الفيلسوف الألماني وغيره، فهو ينافي طلب السلطة وانتزاع ملك الناس وملكهم

بالقوة، لأجل التمتع بالجاه واللذة، لأن من قواعد الإنجيل أن يعطي المؤمن ماله

لغيره، فكيف يتفق هذا مع انتزاعه من غيره ما يملكه؟ وأما الإسلام فهو وسط بين

هذه المدنية المادية، وبين زهد المسيحية، فهو دين سيادة وسلطة مدنية، وفضيلة

أدبية روحية. فإلإيثار فيه فضيلة مندوبة، وهو في المسيحية فريضة مطلوبة، قال

الله تعالى في وصف المؤمنين ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ (الحشر: 9) ، وأما قاعدة الإسلام في الأحكام فهي العدل والمساواة في الحقوق بين

المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والقريب والبعيد والحبيب والبغيض، قال تعالى:

﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (المائدة: 8) ،

والآيات في هذا المعنى كثيرة أوردنا طائفة منها في الرد على الكاتب الأمريكي

الذي زعم فيما - كتبه بمناسبة إلغاء الدولة العثمانية الامتيازات الأجنبية أن الشريعة

الإسلامية جاءت بعدم المساواة بين المسلم وغيره، وبينا هنالك أنه لا تعرف شريعة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٦٧