تعالى لرسوله: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا
* إلا رحمة من ربك} (الإسراء: 86-87) وقال للأمة على لسانه: {قل
أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به} (الأنعام: 46) وقال تعالى: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به﴾ (يونس: 16) ويعلم العبد أن ما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله من شواهد
معرفته والإيمان به هي معالم يهتدي بها عباده إليه، ويعرفون بها كماله وجلاله
وعظمته، فإذا تيقنوا صدقه ولم يشكوا فيه، وتفطنوا لآثار أسمائه وصفاته في
أنفسهم، وفي سواهم انضم شاهد العقل والفطرة إلى شاهد الوحي والشرع، فانتقلوا
حينئذ من الخبر إلى العيان، فالعبارات معالم على الحقائق المطلوبة، والمعالم هي
الأمارات التي يعلم بها المطلوب، فإذا أوصل العارف كل معنى مما تقدم ذكره على
مقصوده وصرف همته إلى مجريه وناصبه ومصدره، اجتمع همه عليه، وتمكن
في معرفة الذات التي لها صفات الكمال ونعوت الجلال، ومقصوده أن يبين في هذه
الأركان الثلاثة حال صاحب معرفة الذات، وكيف ترتب الأشياء في نظره ويترقى
فيها إلى المقصود.
مثال ذلك أن الشواهد أرسلته إلى الصفات بإرسالها عليها فانتقل من مشاهدتها
إلى مشاهدة الصفات والوسائط التي كان يراها آية على المدارج انتقل فانتقل منها
إلى المدارج ولم يلقها وإنما تعلق بما هي آية له، والعبارات التي كانت عنده ألفاظا
خارجة عن المعبر عنه صارت أمارات توصله إلى الحقيقة المعبر عنها، فبهذه
الأركان الثلاثة يصير من أهل معرفة الذات عنده.
قوله: (وهذه [5] معرفة الخاصة التي تؤنس من أفق الحقيقة) أي تدرك
وتحس من ناحية الحقيقة، والإيناس الإدراك والإحساس قال الله تعالى: {فإن
آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} (النساء: 6) ، وقال موسى: {إني
آنست نارا} (القصص: 29) والمقصود أن العارف إذا علق همه بأفق الحقيقة،
وأعرض عن الأسباب والوسائط لا إعراض جحود وإنكار بل إعراض اشتغال
ونظر إلى عين المقصود أوصله ذلك إلى معرفة الذات الجامعة لصفات الكمال،
والله سبحانه وتعالى أعلم.
***
فصل
قال: (الدرجة الثالثة معرفة مستغرقة في محض التعريف، لا يوصل إليها
الاستدلال، ولا يدل عليها شاهد، ولا تستحقها وسيلة، وهي على ثلاثة أركان:
مشاهدة القرب [6] والصعود عن العلم، ومطالعة الجمع، وهي معرفة خاصة
الخاصة) إنما كانت هذه المعرفة عنده أرفع مما قبلها؛ لأن ما قبلها متعلقة بالوسائط،
والشواهد متصلة إلى المطلوب، وهذه متعلقة بعين المقصود فقط، طاوية
للوسائط والشواهد، فالوسائط صاعدة عنها إليه، وهي غالبة على حال العارف
وشهوده، وقد استغرقت إدراكه لما هو فيه بحيث غاب عن معرفته بمعروفه وعن
ذكره بمذكوره، وعن وجوده بموجوده.
فقوله: مستغرقة في محض التعريف والمعرفة صفة العبد وفعله، والتعريف
فعل الرب وتوفيقه، فاستغرقت صفة العبد في فعل الرب وتعريفه نفسه لعبده وقوله:
(لا يوصل إليها بالاستدلال) يريد أن هذه المعرفة في الدرجة الثالثة لا يوصل
إليها بسبب؛ فإن الأسباب قد انطوت فيها، والوسائل قد انقطعت دونها، فلا يدل
عليها شاهد غيرها، بل هي شاهد نفسها، فشاهدها وجودها ودليلها نفسها , ولا
تعجل بإنكار هذا فالأمور الوجدانية كذلك ودليلها نفسها وشاهدها حقيقتها، فتصير
هذه المعرفة للعارف كالأمور الوجدانية، كاللذة والفرح والحب والخوف وغيرها من
الأمور التي لا يطلب من قامت به شاهدا عليها من سوى أنفسها.
ولعمر الله إن هذه درجة من المعرفة منيفة ورتبة شريفة تنقطع دونها أعناق
مطايا السائرين؛ فلذلك لا يوصل إليها بالاستدلال ولا يدل عليها شاهد ولا تستحقها
وسيلة، والأعمال والأحوال والمقامات كلها وسائل، وهي لا تستحق هذه الدرجة
من المعرفة، وإنما هي فضل من الفضل كله بيده وهو ذو الفضل العظيم؛ وكون