تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلقه محتجين بقوله تعالى: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ (الأنعام:

165) وامتنع جمهور الفقهاء من ذلك محتجين بأنه إنما يستخلف من يغيب أو

يموت، والله تعالى باق موجود إلى الأبد لا يغيب ولا يموت، ويؤيد ما نقل عن

الجمهور بما روي أنه قيل لأبي بكر رضي الله عنه: يا خليفة الله، فقال لست

بخليفة الله؛ ولكني خليفة رسول الله، وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: يا خليفة

الله - فقال: ويلك! لقد تناولت متناولا بعيدا! إن أمي سمتني عمر، فلو دعوتني

بهذا الاسم قبلت، ثم كبرت فكنيت أبا حفص، فلو دعوتني به قبلت، ثم وليتموني

أموركم فسميتموني أمير المؤمنين، فلو دعوتني به كفاك، وخص البغوي جواز

إطلاق ذلك بآدم وداود عليهما السلام، محتجا بقوله تعالى في حق آدم: {إني

جاعل في الأرض خليفة} (البقرة: 30) ، وقوله في حق داود: {يا داوود إنا

جعلناك خليفة في الأرض} (ص: 26) ، ثم قال ولا يسمى أحد خليفة الله

بعدهما، قال في (شرح السنة) ويسمى خليفة، وإن كان مخالفا لسيرة أئمة العدل.

ثم قد كره جماعة من الفقهاء منهم أحمد بن حنبل إطلاق اسم الخليفة على ما

بعد خلافة الحسن بن علي رضي الله عنهما فيما حكاه النحاس وغيره، محتجين

بحديث (الخلافة بعدي ثلاثون) يعني ثلاثين سنة، وكان انقضاء الثلاثين بانقضاء

خلافة الحسن، ولما انقضت الخلافة صارت ملكا قال المعافى بن إسماعيل في

تفسيره: وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل طلحة، والزبير،

وكعبا، وسلمان عن الفرق بن الخليفة والملك، فقال طلحة والزبير: لا ندري فقال

سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرعية، ويقسم بينهم بالسوية، ويشفق عليهم شفقة

الرجل على أهله، والوالد على ولده، ويقضي بينهم بكتاب الله تعالى، فقال كعب:

ما كنت أحسب أن في هذا المجلس من يفرق بين الخليفة والملك، ولكن الله ألهم

سلمان حكما وعلما.

واختلف في الهاء في آخره، فقيل: أدخلت فيه للمبالغة كما أدخلت في رجل

داهية وراوية وعلامة ونسابة وهو قول الفراء، واستحسنه النحاس ناقلا له عن

أكثر النحويين، وخطأه علي بن سليمان محتجا بأنه لو كان كذلك لكان التأنيث فيه

حقيقيا، وقيل: الهاء فيه لتأنيث الصيغة، قال النحاس: وربما أسقطوا الهاء منه

وأضافوه فقالوا (فلان خليف فلان) يعنون خليفته.

ثم الأصل فيه التذكير نظرا للمعنى؛ لأن المراد بالخليفة رجل وهو مذكر،

فيقال أمر الخليفة بكذا على التذكير، وأجاز الكوفيون فيه التأنيث على لفظ خليفة

فيقال أمرت الخليفة بكذا، وأنشد الفراء: أبوك خليفة ولدته أخرى

ومنعه البصريون محتجين بأنه لو جاز ذلك لجاز (قالت طلحة) في رجل

اسمه طلحة، وهو ممتنع فإن ظهر اسم الخليفة تعين التذكير باتفاق، فتقول قال أبو

جعفر الخليفة، أو: قال الراضي الخليفة ونحو ذلك، ويجمع على خلفاء ككريم

وكرماء , عليه ورد قوله تعالى: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾ (الأعراف: 69) وعلى خلائف كصحيفة وصحائف، وعليه جاء قوله تعالى:

﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ (الأنعام: 165) والنسبة إليه خلفي كما ينسب

إلي حنيفة حنفي، وقول العامة درهم خليفتي ونحوه خطأ، إذ قاعدة النسب أن

يحذف من المنسوب إليه الياء وهاء التأنيث على ما هو مقرر في علم النحو، وممن

وهم في ذلك المقر الشهابي بن فضل الله رحمه الله في كتاب (التعريف) حيث قال:

وأول ما نبدأ بالمكاتبة إلى الأبواب الشريفة الخليفتية، ولعله سبق قلم منه، وإلا

فالمسألة أظهر من أن يجهلها أو تخفى عليه.

الثاني - الملك: وهو الزعيم الأعظم ممن لم يطلق عليه اسم الخلافة، وقد

نطق القرآن بذكره في غير موضع كما في قوله تعالى: {إن الله قد بعث لكم

طالوت ملكا} (البقرة: 247) ، ﴿وقال الملك ائتوني به﴾ (يوسف: 50)

إلى غير ذلك من الآيات، ويقال فيه ملك بكسر اللام، وملك بإسكانها ومليك بزيادة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢٨٥