عمران: 191) ، - وقوله {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات
والأرض وما بينهما إلا بالحق} (الروم: 8) ، - وقوله - {كذلك يبين الله لكم
الآيات لعلكم تتفكرون * في الدنيا والآخرة} (البقرة: 219-220) [23]
فيتفكرون في الآيات التي بينها لهم فيستدلون بها على توحيده، وصفات كماله،
وصدق رسله، والعلم بلقائه، ويتفكرون في الدنيا وانقضائها واضمحلالها وآفاتها،
والآخرة ودوامها وبقائها وشرفها، وقوله: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم
أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} (الروم: 21) فالفكر الصحيح المؤيد بحياة القلب، ونور البصيرة يدل على إثبات
صفات الكمال، ونعوت الجلال، وأما فكر مصحوب بموت القلب، وعمى
البصيرة؛ فإنما يعطي صاحبه نفيها وتعطيلها.
قوله (وحياة القلب بحسن النظر بين التعظيم وحسن الاعتبار) يعني أنه
ينضاف إلى نور البصيرة، وطيب حياة العقل حياة القلب بحسن النظر الدائر بين
تعظيم الخالق جل جلاله، وحسن الاعتبار بمصنوعاته الدالة عليه، فلا بد من
الأمرين؛ فإنه إن غفل بالتعظيم عن حسن الاعتبار، لم يحصل له الاستدلال على
الصفات، وإن حصل له الاعتبار من غير تعظيم الخالق سبحانه لم يستفد به إثبات
الصفات، فإذا اجتمع له تعظيم الخالق وحسن النظر في صنعه أثمر له إثبات
صفات كماله ولا بد، والاعتبار هو أن يعبر نظره من الأثر إلى المؤثر، ومن
الصنعة إلى الصانع، ومن الدليل إلى المدلول، فينتقل إليه بسرعة لطف إدراك،
فينتقل ذهنه من الملزم إلى لازمه، قال الله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ (الحشر: 2) والاعتبار افتعال من العبور، وهو عبور القلب من الملزوم إلى
لازمه، ومن النظير إلى نظيره، وهذا الاعتبار يضعف ويقوى حتى يستدل
صاحبه بصفات الله تعالى وكماله على ما يفعله لحسن اعتباره، وصحة نظره،
وهو اعتبار الخواص واستدلالهم؛ فإنهم يستدلون بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وأنه
يفعل كذا ولا يفعل كذا، فيفعل ما هو موجب حكمته وعلمه وغناه وحمده، ولا يفعل
ما يناقض ذلك، وقد ذكر سبحانه هذين الطريقين في كتابه فقال تعالى في الطريق
الأول: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ (فصلت:
53) ، - ثم قال في الطريق الثانية [24] {أو لم يكف بربك أنه على كل شيء
شهيد} (فصلت: 53) فمخلوقاته دالة على ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأسماؤه
وصفاته دالة على ما يفعله ويأمر به، وما لا يفعله ولا يأمر به.
مثال ذلك أن اسمه الحميد - سبحانه - يدل على أنه لا يأمر بالفحشاء والمنكر،
واسمه الحكيم يدل على أنه لا يخلق شيئا عبثا، واسمه الغني يدل على أنه لم
يتخذ صاحبة ولا ولدا، واسمه الملك يدل على ما يستلزم حقيقة ملكه من قدرته
وتدبيره، وعطائه ومنعه، وثوابه وعقابه، وبث رسله في أقطار مملكته، وإعلام
عبيده بمراسيمه وعهوده إليهم، واستوائه على سرير مملكته الذي هو عرشه المجيد،
فمتى قام بالعبد تعظيم الحق جل جلاله، وحسن النظر في الشواهد والتبصر
والاعتبار بها صارت الصفات والنعوت مشهودة لقلبه قبلة له.
قوله (وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها) لا يريد بالعامة
الجهال الذين هم عوام الناس، وإنما يريد أن هذه هي المعرفة التي وقف عندها
العموم ولم يتعدوها، وأما معرفة أهل الذوق والمحبة الخاصة فأخص من هذا كما
سيأتي.
قوله: وهي على ثلاثة أركان إثبات الصفة من غير تشبيه إلى آخره - هذه
ثلاثة أشياء:
(أحدها) إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار.
(الثاني) أنه لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به، بل يحترم الاسم
كما يحترم الصفة، فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسما آخر، كما
تسمي الجهمية والمعطلة سمعه، وبصره، وقدرته، وحياته، وكلامه أعراضا،