إذا سكت تكلم جلساؤه، وكان أحسن الناس نغمة، يعظ بالجد والنصيحة، وكان
إذا لبس ثوبا جديدا أعطى خلق ثيابه مسكينا، وكان أرغب الناس في العفو مع
القدرة، أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضاء، يمر على الصبيان فيسلم عليهم،
وكان أزهر اللون ليس بالطويل ولا بالقصير، بين كتفيه خاتم النبوة، وكان لا
يمضي له وقت في غير عمل لله تعالى أو فيما لا بد منه من صلاح نفسه، وبالجملة
فأخلاقه الكاملة لا تحصى، وشمائله الحسنى لا تستقصى، وكل من أصغى إليها
علم علو منصبه، وعظم مكانته، وقد ظهر من آياته ومعجزاته ما استفاضت به
الأخبار، وكان أعظمها معجزة القرآن الكريم، والذكر الحكيم، أعجز البلغاء عن
مماثلته في عبارته، وأفحم الحكماء عن محاكاته في عظته وهدايته وتشريعه للناس
أحكاما تنطبق على مصالحهم ما دامت الدنيا، وانتظام السعادة بالمحافظة عليها في
الأولى والأخرى، ولما لم يدع قاعدة من أصول الفضائل إلا جلاها، ولا أما من
أمهات الصالحات إلا أحياها، ختمت النبوات بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -
وانتهت الرسالات برسالته، قال الله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم
ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} (الأحزاب: 40) ،
وقال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران: 164) .
(للخطب بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) بفتحتين، وتسكين الياء وضمها لحن كما في القاموس، أي في آخر وقتها.
(2) بضم فسكون وهو القبيح من الكلام (المنار: ضبطوه بفتح الهاء وفسروه بالترك) والاستثناء
منقطع.
(3) الجثا بضم الجيم وكسرها ثم مثلثة، ما اجتمع من الحجارة والجذوة (المنار: الجثى الأكوام
والمعنى أن ما يؤخذ من الغول وهو الخيانة في الغنيمة، إنما هو أكوام من النار أي ليس ربحا بل
خسارة؛ لأنه سبب لدخول النار، كقوله تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ (النساء: 10)
(4) يعني بالشعر معهودا من أفراده، وهو ما يتغنى به في محرم أو عليه أو ما يدفع إليه.
(5) جمع راوية مبالغة في راو، وهو من يروي الحديث (المنار: رجح ابن الأثير أن الروايا جمع
روية، وهي التروي والتفكير في الأمر، وإذا كان الكذب عن روية كان أشد إثما وأشد ضررا) .
(6) كناية عن اغتيابه وذكره بما يكره، وفي تصوير الاغتياب بأكل لحمه إبراز له على أفحش وجه
وأشنعه طبعا وعقلا وشرعا.
(7) تألى أي أقسم به بأنه يفعل كذا ألبتة.
(8) السمعة: الشهرة ونشر الذكر.
(9) المنار: أي واحدة بواحدة جزاء فخير الخلصتين يكفر شرهما.
(10) المنار: الهدي بفتح فسكون: السيرة والطريقة.
(11) خطبها في الجابية قاعدة بلاد حوران في عهده رضي الله عنه، وإليها ينسب باب الجابية
أحد أبواب مدينة دمشق الشام؛ لأن المسافر إلى الجابية يخرج منه، وقد خربت وانتقل عمرانها إلى
ما جاورها من قرية نوى والشيخ سعد.
(12) المنار: في حاشية الأصل (أي تزيوا بزي معد في تخوشنهم وتقشفهم) والمراد كونوا مثل
معد بن عدنان فيما ذكر فاستعمل التزيي في التشبه والزي في الشبه.
(13) المنار: هذا وما بعده بضعة جمل مقتبسة من الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه
وسلم.
(14) المنار: مقتبس من حديث مرفوع رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
(15) المنار: الظاهر أن هذه الخطبة موضوعة على أمير المؤمنين كرم الله وجهه، فأين هذا
السجع المتكلف من خطبه التي تعد في أعلى مراتب البلاغة بعد كلام الله ورسوله.
(16) الخطبة من أولها إلى هنا من ديوان جد جدتي لأبي الإمام الكبير والولي الشهير السيد محمد
الدسوقي نسبا الدمشقي إمام جامع حسان وخطيبه المتوفى 1241 بمنزلة هدية قبيل المدينة المنورة