قادر، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر، ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه
وفضلا والله واسع عليم، أيها الناس أحسنوا في عمركم تحفظوا في عقبكم، فإن الله
تبارك وتعالى وعد جنته من أطاعه، ووعد ناره من عصاه، إنها نار لا يهدأ
زفيرها، ولا يفك أسيرها، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن
أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل، ألا لا يستحي الرجل أن يتعلم
ومن يسأل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم. رواه ابن عساكر.
ومن خطبه كرم الله وجهه:
حمدت وعظمت من عظمت منته، وسبغت نعمته، وسبقت غضبه رحمته،
وتمت كلمته، ونفذت مشيئته، حمد عبد مقر بربوبيته، متخضع لعبوديته،
ويستعينه، ويسترشده، ويستهديه، ويؤمن به، ويتوكل عليه، وشهدت له تشهد
مخلص موقن، وبعزته مؤمن، ووحدت له توحيد عبد مذعن، ليس له شريك في
ملكه، ولم يكن له ولي في صنعه، جل عن مشير ووزير، وعن عون معين
ونظير، وشهدت ببعث محمد عبده ورسوله، وصفيه، ونبيه، وحبيبه، وخليله،
صلى الله عليه صلاة تحظيه، وتزلفه وتعليه، وتقربه وتدنيه، بعثه في خير عصر،
وحين فترة وكفر، رحمة منه لعبيده، ومنة لمزيده، ختم به نبوته، ووضح به
حجته، فوعظ ونصح، وبلغ وكدح، عليه رحمة وتسليم، وبركة وتكريم.
وصيتكم معشر من حضرني بوصية ربكم، وذكرتكم سنة نبيكم، فعليكم
برهبة تسكن قلوبكم، وخشية تذري دموعكم، وتقاة تنجيكم، قبل يوم يذهلكم
ويبليكم، يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، وخف وزن سيئته، ولتكن مسألتكم
وتملقكم مسألة ذل وخضوع وشكر وخشوع، وتوبة ونزوع، وندم ورجوع،
وليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه، وشبيبته قبل هرمه وكبره، وسعته قبل
فقره، وفرغته قبل شغله، قبل أن تجذب نفسه، ويحفر رمسه، وينفخ في الصور،
ويدعى للنشور، في موقف مهيل، ومشهد جليل، بين يدي ملك عظيم، بكل
صغيرة وكبيرة عليم، حينئذ يلجمه عرقه فعبرته غير مرحومة، وضرعته غير
مسموعة، وحجته غير مقبولة، فورد جهنم بكرب وشدة، ندم حيث لم ينفعه ندمه،
نعوذ برب قدير من شر كل مصير، ونسأله عفو من رضي عنه، ومغفرة من قبل
منه، فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنة بقربه، وخلد في قصور مشيدة،
وملك حور عين وحفدة، وطيف عليه بكؤوس، وسكن حظيرة قدس في فردوس
وتقلب في نعيم، وسقي من تسنيم، هذه منزلة من خشي ربه، وحذر نفسه، وتلك
عقوبة من عصى منشئه، وسولت له نفسه معصيته، لهو قول فصل، وحكم
عدل، خير قصص قص، ووعد نص، تنزيل من حكيم حميد، نزل به روح قدس
على قلب نبي مهتد رشيد، صلت عليه سفرة، مكرمون بررة، يتضرع متضرعكم،
ويبتهل مبتهلكم، وأستغفر رب كل مربوب لي ولكم، ثم قرأ {تلك الدار الآخرة
نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين} (القصص:
83) رواه الخفاف في مشيخته [15]
***
مختارات من خطب القاسمي
(خطبة في الحذر من التطير والتشاؤم
يخطب بها أول صفر)
الحمد لله الذي بسط لنا موائد كرمه وأفضاله، وعمنا بجوده وغمرنا بنواله،
فسبحانه من إله تاهت العقول في سبحات جلاله، أحمده وأشكره، وأتوب إليه
وأستغفره، وأسأله أن يجعلنا ممن وفقه لصالح أعماله، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له شهادة موحد له في غده وآصاله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده
ورسوله نبي ميز حرام الشرع من حلاله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه
صلاة تمنح قائلها الفوز في مآله، وسلم تسليما.
أما بعد أيها الناس فاتقوا الله، واعلموا أن جميع ما يتقلب فيه الإنسان طول
عمره، إنما هو بمحض قضاء الله وقدره، ألا وإنه قد دخل عليكم شهر مباركة
أوقاته، ميمونة ساعاته، لا ينسب إليه شر ولا ضير، بل هو صفر الخير، وقد
كانت الجاهلية يتشاءمون به وهو مبارك، ويتطيرون منه وليس لله جل جلاله في
مشيئته وتقديره بمشارك، وإنما هو إلى شركهم وشرهم، وسخافة عقولهم، ومحض