تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بمقادير قليلة جدا تزاد تدريجا.

والميكروبات التي تزرع بقصد الحقن منها ما يفرز سما في السائل المزروع

فيه، ومنها ما يكون سمه كامنا في جسمه - كما تقدم - وذلك مثل سم ميكروب

الطاعون، ولا بد من ملاحظة هذه المسألة قبل الحقن، فإذا أريد حقن حصان

لاستخراج مصل منه نافع للطاعون، فلا يجوز حقنه بالسائل الذي يربى فيه

الميكروب، فإنه يكاد يكون خاليا من السم إذا لا يخرج منه شيء يذكر من جسم

الميكروب؛ ولذلك يجب أن تستعمل طريقة أخرى للوقاية من الطاعون، كأن يحقن

الشخص المراد وقايته بنفس السائل بدون تصفيته بعد قتل ميكروب الطاعون الذي

فيه، وذلك بتعريضه مدة ساعة لحرارة درجتها 65 بالمقياس المئيني، ولا يصح

قتل الميكروب بالغلي فإن ذلك يفسد سمه، أو يغيره تغييرا يجعله غير صالح لما

نريد.

وقد ذهب علماء هذا العلم في تفسير مسألة الوقاية مذاهب عديدة، نذكر

هنا أشهرها:

(1) مذهب القائلين (بنفاد السماد) ، ومعنى ذلك أنهم يقولون إن في جسم

الإنسان بعض مواد لازمة لحياة الميكروبات تكون كالسماد لها؛ فإذا أصيب الإنسان

يمرض ما كالجدري مثلا نفد هذا السماد الضروري لحياة ميكروبه من جسم الإنسان؛

ولذلك لا يصاب به عادة مرة أخرى، وهذا التفسير أصبح الآن مردودا عند

جمهور العلماء.

(2) مذهب القائلين باحتباس سم الميكروب في جسم الإنسان، وذلك أن

الإنسان إذا أصيب بمرض ما تولد من الميكروب سم يهلك نفس هذا الميكروب

ويفسرون بذلك سبب شفائه من المرض، ويقولون إن هذا السم يبقى في جسمه بعد

ذلك، ويقتل هذا الميكروب الخاص إذا دخل في جسمه مرة أخرى.

(3) مذهب الفرنسويين، وهم يقولون إن الكريات البيضاء في دم الإنسان

تقتل الميكروبات لاسيما إذا تعودت أكل نوع مخصوص منها؛ فإنها تلتهمه بشراهة

قوية.

(4) مذهب الألمانيين، وهم يقولون: إن الإنسان أو الحيوان إذا أصيب

بمرض ما أفرزت منسوجات الجسم المختلفة مواد تجري في دمه، وهذه المواد منها

ما يهلك الميكروب، ومنها ما يفسد سمه، كالمادة المتولدة في مصل الحصان التي

ذكرت سابقا للوقاية من الدفثيريا أو لشفائها.

والحق شائع بين مذهبي الفرنسويين والألمانيين، وأحسن المذاهب مذهب من

يجمع بينهما كمذهب بعض علماء الإنكليز، وغيرهم بأن يقول: إن الإنسان إذا

أصيب بمرض تولدت في جسمه تلك المواد التي قال بها الألمانيون، وهذه المواد

تفسد سم الميكروب أولا، وتضعف نفس الميكروب أو تقتله ثانيا؛ حتى تقوى عليه

كريات الدم البيضاء؛ فيسهل عليها أن تلتهمه وتهضمه هضما.

وقد عرف من عهد قريب أنه يوجد في دم الإنسان في الحالة الطبيعية مواد

تسمى المواد الإدامية (Opsonins) وهذه المواد تؤثر في الميكروبات تأثيرا

مخصوصا حتى تجعلها كأنها طعام لذيذ للكريات البيضاء، ولذلك سميت بهذا الاسم

تشبيها لها بالإدام.

ومقدار هذه المواد يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وكلما كثرت كانت

البنية أشد مقاومة للميكروب، وهي تزيد بالحقن باللقاح، وبالمرض إذا قاومته

البنية أو غلبته.

ومدة الوقاية من الأمراض تختلف كثيرا، فإذا أصيب الإنسان بالزهري أو

الجدري فقل أن يعود إليه هذا المرض طول حياته، وإذا أصيب بالدفثيريا أو

الالتهاب الرئوي فقد يعاوده المرض.

ومن الناس من يجتمع في جسمه مرضان، أو أكثر كاجتماع الدفثيريا مع

الحمى القرمزية، وكانوا يظنون سابقا أن ذلك غير ممكن؛ ولكن الحقيقة أن الجسم

إذا أصيب بمرض كان أكثر تعرضا للأمراض الأخرى، مما إذا كان سليما، وذلك

لضعف قوة المقاومة.

ومن الأمراض ما تورث إما بنفسها كالزهري، وإما بالاستعداد لها كالسل،

فإذا كان أب الإنسان مثلا مصابا بالزهري ولد ابنه مصابا به أيضا، وإذا كان

مصابا بالدرن الرئوي (السل) كان ابنه غالبا خاليا من ميكروب هذا الداء؛ ولكن

جسمه يكون مستعدا له كل الاستعداد؛ فيصاب به عادة عاجلا أو آجلا.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٢١٨