يا أيها الناس - وكررها مشيرا بيده في نواحيهم - ثم قال: {سلام عليكم
كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده
وأصلح فأنه غفور رحيم} (الأنعام: 54) ، {أنتم الفقراء إلى الله والله هو
الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} (فاطر: 15-17) فضج الناس بالدعاء، وارتفعت الأصوات بالاستغفار،
والتضرع إلى الله تعالى بالسؤال والرغبة في إرسال الغيث، ووصل الحال [6] ،
ومضى على تمام خطبته، فأفزع النفوس بوعظه، وانبعث الإخلاص بتذكيره، فما
أتم خطبته حتى بللهم الغيث.
وذكروا أن الخليفة الناصر لدين الله جاء غداة ذلك اليوم، فحركه للخروج
وذكر له عزمه عليه، والسابقون متسابقون إلى المصلى، فقال للرسول - وكان من
خواص حلفاء الصفاء إليه-: ياليت شعري! ما الذي يصنعه الخليفة سيدنا؟ فقال
له: ما رأينا قط أخشع منه في يومنا هذا، فإنه لمنتبذ حائر، متفرد بنفسه لابس
أخشن الثياب، مفترش التراب، قد رمى به على رأسه وعلى لحيته، وبكى
واعترف بذنوبه وهو يقول: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذب الرعية وأنت أحكم
الحاكمين لن يفوتك شيء مني؟ [7] قال: فتهلل وجه القاضي منذر بن سعيد عندما
سمع من قوله، وقال يا غلام! احمل الممطر [8] معك فقد أذن الله تعالى بالسقيا، إذا
خشع جبار الأرض فقد رحم جبار السماء، وكان كما قال فلم ننصرف إلا عن
السقيا.
استقلال القضاء وإيثار القاضي مصلحة اليتيم على رغبة الخليفة:
قال: وكان القاضي منذر بن سعيد من ذوي الصلابة في أحكامه، والمهابة
في أقضيته، وقوة القلب في القيام بالحق في جميع ما يجري على يديه، لا يهاب
في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه، ومن مشهور ما جرى لفه في ذلك قصته
المشهورة في أيتام أخي نجدة، حدثني بها جماعة من أهل العلم والرواية، وهي أن
الخليفة الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد احتاج إلى شراء دار بقرطبة لحظية
من نسائه تكرم عليه، فوقع استحسانه على دار كانت لأولاد زكريا أخي نجدة كانت
بقرب النشارين في الربض الشرقي منفصلة عن دور يتصل بها حمام العامة له غلة
واسعة، وكان أولاد زكريا أيتاما في حجر القاضي، فأرسل الخليفة له من قيمتها
بعدد ما طابت به نفسه، وأرسل ناسا وأمرهم بمداخلة وصي الأيتام في بيعها عليهم،
فذكر أنه لا يجوز إلا بأمر القاضي، إذ لم يجز بيع الأصل إلا عن رأيه ومشورته،
فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدار، فقال لرسوله: البيع على
الأيتام لا يصح إلا لوجوه، منها الحاجة ومنها الوهي الشديد [9] ، ومنها الغبطة10]
أما الحاجة فلا حاجة بهؤلاء الأيتام إلى البيع، وأما الوهي فليس فيها، وأما
الغبطة فهذا مكانها؛ فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما يستبين به الغبطة، أمرت
وصيهم بالبيع، وإلا فلا، فنقل جوابه هذا إلى الخليفة، فأظهر الزهد في شراء
الدار طمعا أن تتراخى رغبته فيها، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق
الأولاد سورتها، فأمر وصي الأيتام بنقض الدار، وبيع أنقاضها ففعل ذلك، وباع
الأنقاض، وكانت لها قيمة بأكثر مما قومت به للسلطان، فاتصل الخبر به فعز
عليه خرابها، وأمر بتوقيف الوصي على ما أحدثه فيها، فأحال الوصي على
القاضي أنه أمر بذلك، فأرسل عند ذلك للقاضي وقال له: أنت أمرت بنقض دار
أخي نجدة؟ فقال له: نعم، قال له: وما دعاك إلى ذلك؟ قال أخذت فيها بقول الله
تبارك وتعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها
وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} (الكهف: 79) فمقومك لم يقدرها إلا
بكذا؛ وبذلك تعلق وهمك، فقد نص في أنقاضها أكثر من ذلك [11] ، وبقيت الدار،
والحمام فضلا، ونظر الله تعالى للأيتام، فصبر الخليفة على ما أتى من ذلك، وقال:
نحن أول من انقاد إلى الحق فجزاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيرا.