أباه، وغيره ممن ينشأ فيهم.
وقد وصل الجهل بناس إلى أن يتركوا الصلاة طول حياتهم، اعتمادا على أنه
يمكن إسقاطها عنهم بعد مماتهم بالطريقة المشهورة بإسقاط الصلاة - ذلك بأن يؤتى
بمن يسمونهم فقهاء، وهم قراء القبور، الذين اتخذوا القراءة على القبور،
والصياح في الجنازات بنشيد البردة وغيرها صناعة، فيحسبوا ما ترك الميت من
الصلوات في سني عمره، ثم يطاف عليهم بصرة فيها عدد من النقود، فيقبل كل
منهم أن يتحمل عددا من تلك الصلوات عن الميت نظير مبلغ يأخذه مما في الصرة،
حتى إذا تحمل الجميع ما على الميت من الصلوات فرق عليهم عدد النقود، وبهذا
يزعمون أن الصلاة سقطت عن الميت، وأن الله عفا عمن تحملوها.
وفي هذا من العجب ما ترى، وقد ذكرته ليظهر لك كيف يؤدي الجهل بحكمة
الله إلى إضاعة شرعه، والاستهزاء بدينه، وكأن هؤلاء لم يعقلوا أن تارك الصلاة
قد صدئت نفسه، وتلوثت روحه، فلم يعد يستحق مقام الكرامة، و {ألا تزر
وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم: 38-39) فهل
للقبوريين عهد من الله أن يقبل منهم ما يقبلون، ويحط عنهم ما يتحملون؟ فرحماك
اللهم! فإن القوم لا يعلمون وعساهم عن ذلك يرجعون.
س: عرفنا الصلاة، فما معنى الزكاة؟
ج: الزكاة جزء من مال الأغنياء، يصرف في مصالح المسلمين،
كالفقراء والمساكين، وأبناء السبيل، والغارمين، وغير ذلك من مهمات الدين.
س: ما دليل وجوبها، وحكمة شرعيتها؟
ج: قال الله تعالى في سورة براءة {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم
بها} (التوبة: 103) .
س: ما معنى التطهير والتزكية بها؟
ج: ﴿إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى﴾ (العلق: 6-7) فكلما كثر
جمعه للمال، زاد حبه له، وطمعه فيه، حتى لا يؤثر شيئا عليه، ولا يكون له
هم في سواه، فتنقطع العلائق بينه وبين الله، فتخبث نفسه، فيكسب المال من أي
وجه حلالا كان أو حراما، فإذا هو جعل نصيبا من ماله لله على حبه إياه، استحى
أن يكسبه من طريق يبغضه الله، وكان حب الله في نفسه متغلبا على حب المال،
فهذا ينظف النفس من الأرجاس العالقة بها، ويزكيها بإنماء الفضائل فيها.
وهذه تزكية روحية، وهناك تزكية أدبية اجتماعية - وهي أن الأغنياء الذين
يقبضون أيديهم عن الفقراء يعرضون أموالهم للسلب، وأعراضهم وأنفسهم للإهانة؛
لأن الفقراء يبغضونهم، ويكيدون لهم، وإذا اشتد الجوع بهم، ولم يجدوا وسيلة لسد
الرمق إلا بالاعتداء على الأموال والأنفس اعتدوا، ولا يخفى ما في ذلك من اختلال
الأمن، وتزعزع النظام، فيمسي الأغنياء ويصبحون لا يهدأ لهم بال، ولا يرتاح
لهم ضمير، فيموتون أو يموت الفقراء جوعا وذلا، وكل ذلك - كما تعلم - سبب
في ضعف الأمة، وانقراضها، فإذا هم بذلوا، وأنفقوا، حفظوا حياتهم، وهدءوا
روعهم، وجعلوا الفقراء إخوانهم، يهتمون لهم، ويتعاونون معهم، فببسط أيديهم
يتبدل ضعفهم قوة، وتنقلب قلتهم كثرة، أضف إلى ذلك ما يتوفر للأمة فيصرف في
منافعها العامة، ومصالحها المدنية، وما يعود عليها من بسط الأمن في ربوعها،
وتوثيق عرى المحبة بين أفرادها، وحسبك دليلا على ذلك أن المسلمين لما تهاونوا
في إخراج الزكاة انحلت رابطتهم، وتأخرت مدنيتهم.
س: إذا كان في الزكاة ما ذكرت من رابط الود بين الأفراد، ومن مصالح
جماعة الأمة، وكانت بذلك من أعظم أركان العمران، فما بالنا نرى الإفرنج وقد
استبحرعمرانهم ليس عندهم زكاة مثلنا؟
ج: لعلك لم تنظر إلى ما عندهم من الجمعيات الخيرية، والملاجئ،
والمستشفيات المجانية، وغير ذلك مما يقصد به تحسين حال الأيتام والفقراء،
وغير ذلك من المنافع، والمصالح، وهل هذا إلا بمعنى الزكاة عندنا؟ وهل تقوم
لأمة قائمة من غير أن يكون فيها هذا الركن الاقتصادي العمراني الجليل؟
ألا تعجب حينما ترى الإفرنج يعرفون قيمة هذا الركن، وقومنا عنه غافلون؟