تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وراءهم ظهريا، وألفوا المجلدات الضخمة في إثبات بطلانه وفساد عقائده كلها

كما يقولون.

ولا أدري لماذا يفتخر المبشرون بأوروبا وعلمها بين المسلمين مع أنه قل أن يوجد

بين الإفرنج عالم مستقل الفهم والعقل يعتقد بشيء من عقائد النصرانية، فالأولى

بجماعة المبشرين بدل نشر دينهم خارج أوربا أن يحصنوه في داخلها ضد

غارات هؤلاء العلماء المحققين، وإلا خرجت أوربا كلها عن المسيحية يوما ما،

وحينئذ لا يجديهم افتخارهم بها وبعلمها ومدنيتها نفعا.

هذا وإذا وجد في بعض كتابات مؤرخي الوثنيين الأقدمين أن المسيح

صلب كما في تاريخ تاسيتوس (Tacitus) المؤلف نحو سنة 117

ميلادية، فلا يعتد بقوله لوجوه:

(1) أن يكون تاسيتوس أخذ ذلك من الإشاعات الحاصلة في ذلك الوقت

وجمهورها يؤيذ ذلك كما قلنا، ولو لاحظنا احتقار تاسيتوس للنصارى في ذلك

الوقت لما استغربنا منه هذا القول الذي صدر منه بدون تحقيق ولا تمحيص

لعدم عنايته بهم، فهو كأقوال نصارى أوربا في القرون الوسطى في محمد

صلى الله عليه وسلم ودينه، فقد كانت كلها مبنية على الإشاعات الكاذبة

والاختلاقات.

ومما يدل على صحة قولنا في تاسيتوس هذا وغيره من مؤرخي الوثنيين

أنهم كانوا يأخذون بالإشاعات والأكاذيب المنتشرة حولهم ويحشرونها في

تواريخهم بدون تحر ولا بحث - أنه دون في تاريخ اليهود خرافات عديدة

مضحكة ظنها حقائق ثابتة، كما قالت دائرة المعارف الإنكليزية (مجلد 13

صفحة 658) والحق يقال: إن الرومانيين لم يهتموا بالمسيح أدنى اهتمام؛

لأنه لم يفه ببنت شفة يفهم منها أنه يريد الخروج عليهم، وكانت كل أعماله

قاصرة على إصلاح حال أمته دينيا وأدبيا ولم يتبعه إلا بعض فقراء اليهود

وأصاغرهم؛ فلذلك لم يلتفت إليه أحد من غير اليهود؛ فحادثة الصلب كانت

من المسائل المحلية الداخلية لهم لم يهتم بها أحد من حكام الرومان خارج

أورشليم؛ ولذلك صدر أمر بيلاطس فيها بدون استئذان رومية كما يفهم من

جميع الأناجيل [1] .

والراجح عند العلماء أن بيلاطس لم يبلغها رسميا للإمبراطور طيباريوس

في رومية (راجع كتاب شهود تاريخ يسوع ص23) لأنها كانت من المسائل

الصغيرة القاصرة على اليهود، وكانوا غير خاضعين لشرائع الرومان في

مسائلهم الدينية.

فغاية الأمر أن عيسى وهو أحدهم حكم عليه مجمع السنهدريم اليهودي

بالموت، وهو لم يكن رومانيا حتى تهتم به الرومان، وكان لا بد لهذا المجمع

أن يحصل على تصديق الحاكم الروماني في بلادهم لكي يقدر على تنفيذ ما

حكم به رسميا، نعم وكان الرومان على الحياد بالنسبة لمسائل اليهود الدينية

الداخلية إلا أنه كان لا بد من تصديقهم على مثل هذه العقوبات التي يريد اليهود

تنفيذها في شئونهم الدينية شأن الأمم الغالبة مع الأمم المغلوبة كما هو مشاهد

في هذا العصر (راجع كتاب رينان في حياة المسيح ص 134) .

فلم يكن ثم باعث لاهتمام الرومانيين بهذه المسألة حتى لو بلغ الحكومة

خبرها رسميا بعد وقوعها؛ ولذلك كان مؤرخوهم يجهلون تاريخ المسيح ولم

يذكره إلا قليل منهم عرضا في كتبهم، والغالب أن أهل رومة لم يسمعوا به إلا

بعد أن دخلت النصرانية إيطاليا وكانوا يحتقرون النصارى احتقارا شديدا ولا

يهتمون بهم ولا يعرفون الفرق بينهم وبين اليهود ولا شيئا من أخبارهم

الصحيحة؛ ولذلك يقول تاسيتوس: إن لليهود والنصارى إلها له رأس حمار،

ويقول سويتونيوس المؤرخ الروماني (Suetonius) في أوائل القرن

الثاني: إن اليهود (يريد النصارى) طردهم كلوديوس من رومة؛ لأنهم

كانوا يحدثون شغبا وقلاقل فيها، يحرضهم عليها دائما السامي أو الحسن

(chrestus) يريد المسيح. اه.

وكان يظن أيضا أن المسيح عليه السلام كان مقيما في رومية في ذلك

الزمن، فإذا كان هؤلاء المؤرخون إلى أوائل القرن الثاني لم يعلموا إن كان

المسيح وجد في رومية أو لم يوجد ولا حقيقة عقيدة أهل الكتاب في الله، فكيف

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٩١