عقد مندوبو البنك الشرقي الألماني والبنك الأهلي والعثماني جلسة في
باريس تداولوا يها بمسألة القرض الذي تطلبه الوزارة العثمانية وقرروا أن
يقرضوا الحكومة ما يكفيها لدفع رواتب الموظفين والضباط والجنود فقط.
وطلبوا في مقابل ذلك أن يمنح لشركة إنكليزية امتياز ري أراضي
الجزيرة. وأن تمنح إلى شركات فرنسوية امتيازات إنشاء الخطوط الحديدية
في الأناضول، وأن تمنح إلى شركات ألمانية امتيازات إنشاء خطوط حديدية
تتفرع عن الخط الأصلي لسكة حديد بغداد.
وأن تصدق الحكومة على تمديد امتياز احتكار الدخان في المملكة
العثمانية لشركة الريجي.
وإجراء إصلاح في ميزانية نظارة الحربية.
وأن يكون لهذه البنوك حق المراقبة على النفقات العمومية للحكومة.
وأخيرا أن تفوض إلى مصلحة الديون العمومية مسألة عقد القروض. اه.
يقرأ المسلمون مثل هذا في الجرائد وتراهم وادعين ساكنين لا يهتمون
بها ثم تراهم يهيجون لذكر أخذ أدرنة أو نصف أدرنة، ويشيد بعضهم بإطراء
جمعية الأحمرين التي تجد ببيع ما بقي من هذه الدولة لأوربة بالرهون
والامتيازات، فما هذا الجهل والغرور؟
نعم إن أمتنا الإسلامية قد استحوذ عليها الجهل والغرور معا، وصار رؤساؤها
وكبراؤها شرارها، فمن ذا الذي يعلمها ويهديها رشدها؟ إن السيادة والسلطة
أعلى وأغلى شيء في نفسها، وقد كان لها ممالك كثيرة فكانت تزول بالتدريج
وهي لا تعقل سبب زوالها، ولا تعتبر اللاحقة بما حل بالسابقة منها.
تألفت الدولة العثمانية من عدة من هذه الممالك فكانت أكبرها وأقواها،
ولكنها منذ صارت القوة تبنى على أسس العلم والنظام صارت هي ترجع
القهقرى في كل شيء، فهي منذ أزال السلطان محمود منها قوة الإنكشارية
الهمجية إلى هذا اليوم، لم تقدر أن تؤسس قوة نظامية تحفظ بها ملكها الواسع،
ولو بحيث تنجو من طمع الطامع، وإنما اكتفت من القوة المنظمة في الجملة
بالقدر الذي يمكن العاصمة البيزنطية من تذليل جميع الشعوب العثمانية،
وجباية الضرائب والمكوس منها؛ ليتمتع أهل تلك العاصمة ومن حولهم بها،
وكانوا يرون أن ذلك لا يدوم لهم إلا ببقاء الأمة على جهلها، فكان مصير
ثروة الدولة والأمة كلها إلى أوربة، ولكن المسلمين راضون لجهلهم بسوء
حالهم، ومقتنعون بأن لهم دولة قوية تحمي حماهم وحرمهم، فهذا الجهل
والغرور هو الذي انتهى بالدولة إلى هذا المصير، ولا يزال المسلمون على
غرورهم يحثون الدولة على الحرب، رجاء أن يكون لها الغلب فيعود إليهم
التلذذ بالطمأنينة على ملك الإسلام، الذي تمثله لهم الأماني والأوهام، وإن
زالت اللذة بعد شهور وأيام:
أماني من سعدى عذاب كأنما ... سقتنا بها سعدى على ظمأ بردا
منى إن لم تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أيها الإخوة المخلصون في الغيرة على الملة والدولة، إن الرائد لا يكذب
أهله، اعلموا أن الدولة على شفا جرف من الخطر، وأن استيلاء أوربة عليها
بالفتح السلمي أقرب غائب ينتظر، ومن مقدماته الفتنة الثورية التي حدثت في
الآستانة وما سيعقبها من الفتن، ولا منجاة للدولة ولا لمثيري الفتنة بنصر
يرجى لأخذ نصف مدينة أدرنة، ولا أخذ كل تلك المدينة، ولا بلجنة الدفاع
الملية، ولا بالإعانات والضرائب الحربية، وقد كنتم مغرورين بجيش عبد
الحميد، وسررتم بظفره باليونان، ثم أنفق الاتحاديون باسم هذا الجيش
خمسين مليونا من الليرات، ولم يمنع البلقانيين أن يسلخوا من الدولة بضع
ولايات تضاهي جميع ممالكهم، فهل يمنع الدول الكبرى من أخذ الباقي إذا هي
اتفقت على ذلك؟.
أيها الإخوة المخلصون للدولة والإسلام، إنني أنا النذير العريان، الذي
حمله الإخلاص في النصح على تعريض عرضه للسب والشتم، بل تعريض
ماله للسلب ونفسه للقتل، اعلموا أن الدولة على خطر الزوال، فيجب على
العقلاء منكم أن يفكروا أولا في عاقبة سلطة الإسلام، وحفظ حرم الله تعالى