منذ أربعة أعوم قلب الجيش حكم عبد الحميد، وأنشأوا حكومة دستورية،
ثم قام الجيش فقلب تلك الحكومة، ثم قام رجال تلك الحكومة فقلبوا بعض توابير
ذاك الجيش، ثم عاد ضباط الجيش الكرة الرابعة منذ شهور وقلبوا ذاك
الحكم. فقام الاتحاديون اليوم وقلبوا حكومة ذاك الجيش وهي خامس ثورة
حدثت في أربعة أعوام في سبيل القبض على الحكومة ليس غير.
(قبل الانقلاب)
برح أنور بك بنغازي بطلب من جمعية الاتحاد والترقي، فلما وصل
الآستانة قابله رجاله طبعا ولم يجر له استقبال فخيم كما عوده ذووه فساءه ذلك،
وزاد في استيائه أنه بعد أن وصل قصد نظارة الحربية فدخل على ناظم باشا
فلم يقف له ناظر الحربية بل قابله بصفة عسكرية كفريق وقائمقام عسكري،
وقال له ما خلاصته:
أنا مسرور منك لما بذلته من الهمة والنشاط في بنغازي وأسر بوجود
ضابط نشيط مثلك في الجيش؛ غير أنني أفيدك أنني لا أحب أبدا مداخلة
الضباط في السياسة، ولا أسمح لهم بذلك، فإذا أقسمت لي بأنك لا تتدخل فيها
أبدا أقسم لك بشرفي أننا نقدر أن نقضي العمر معا. فأقسم له أنور بك بشرفه
العسكري أنه لا يتداخل في السياسة وخرج من حضرته وفي الصدر ما فيه.
كان بين عزت باشا رئيس الأركان وأنور بك صداقة ووداد من قبل، ويظهر
أن عزت باشا لا يميل قلبا إلى ناظم باشا فعقد مع أنور بك عهدا، وأخذ الاثنان في
ملاطفة ناظم باشا وإظهار الود له، ومما كانا يقولانه له: اليوم لا توجد جمعيات أبدا
فلا اتحاد ولا ائتلاف، بل يوجد شرف الجيش العثماني، وإن شاء الله بهمتك يا باشتنا
نعيد هذا الشرف إلى ما كان عليه.
وبرهانا على هذا القول دعوه مرتين إلى تناول الطعام في دار البرنس
سعيد باشا حليم مع رهط الاتحاديين، وتناول الطعام معهم مرة في فندق
توقتليان حتى قال بعضهم: إن ناظم باشا اتفق مع الاتحاديين والتحق بهم.
ولقد بلغ وثوقه حدا ما كان يجب له أن يبلغه، فترك أمور الحل والربط في
الجيش لعزت باشا، وأخذ يشتغل هو بأمور الدفاع وغيرها، ولقد كانت هذه
السياسة التي بسطتها توطئة لدور الانقلاب.
(قبل الانقلاب بأيام)
اتصل برشيد بك ناظر الداخلية السابق قبل الانقلاب بأيام خبر ما يهيئه
الاتحاديون من المؤامرات، فأراد أن يقبض على زعمائهم فمنعه ناظم باشا من ذلك
فألح فجاءوا بنصف تابور وأسكنوه في الباب العالي.
(من هم ضباطه)
إن رجال هذه البلوكات الأربعة التي جاءوا بها هي من تابور عشاق. وقد
انتخبوه دون غيره؛ لأن جميع ضباطه من الاتحاديين يقبضون رواتبهم شهريا
من صندوق جمعية الاتحاد والترقي، وما خلا هذا فقد أبعدوا جميع الجنود
التي كانت في الآستانة إلى الثكنات البعيدة، فلم يبق في ثكنات الآستانة ذاتها إلا
تابور واحد، نصفه في الباب العالي، والنصف الآخر مستمال بمعدات
الاستمالة، على هذا الشكل تمت مهيئات المؤامرة.
(يوم الانقلاب بالذات)
أعد الاتحاديون أسباب الانقلاب بتمامها، فبعد أن أتموا تهيئة الوسائل
العسكرية التي تقدمت الإشارة إليها هيأوا الأسباب الملكية أيضا فجاءوا بنحو
مائتي شخص من أنديتهم المختلفة ووزعوهم في القهوات الواقعة أمام الباب
العالي التي ظلوا فيها إلى نحو الساعة الثانية بعد الظهر.
وكان طلعت بك يقوم بدور التفتيش بين كل ساعة وأخرى، فيجيء هذه
القهوات مضطربا ويكلم هذا الشخص أو ذاك، ويهمس لهذا وذاك كلمة في أذنه
ثم يرجع ثم يعود إلى القهوة، ويقول الذين شاهدوه: إنه ذهب ورجع عشر
مرات، وهو على مثل هذا الحال.
وفي الوقت المعين هب هؤلاء الناس من قهوتهم وأخذوا ينسلون عشرات
عشرات ويقفون أمام الباب العالي فلما اجتمع قدر مائة منهم قدم أنور بك على
جواده يحيط به أربعة من الفدائيين وضعوا مسدساتهم تحت ستراتهم إلا أنها
كانت ظاهرة لكبر حجمها.
وكان في هذه الأثناء قد بلغ الوزارة خبر هذا التجمع فخرج ناظم باشا