تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا بعزهم؟ فقد قال نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام: (إذا ذلت العرب ذل

الإسلام) رواه أبو يعلى في مسنده بسند صحيح.

ولماذا لم تهتم بأمر مسلمي أفريقية العثمانية فعرضت عرب طرابلس

الغرب وبرقة لنيران مدافع إيطالية؟ ولماذا لم تهتم بأمر أربعين مليونا من

المسلمين في جزائر جاوة والملايو وثمانين مليونا من المسلمين في الهند؟

فهل انحصر الإسلام في الترك والتتار؟ لو كان الاتحاديون يريدون خدمة

الإسلام لنفذوا مشروع الدعوة والإرشاد، واجتهدوا في إحياء اللغة العربية

وعمران الحجاز وجزيرة العرب قبل كل شيء. هذا ما خطر في بالي من

حديثنا مع ذلك الزائر، وربما كان فيه زيادة إيضاح لبعض المسائل واختصار

في بعضها، وقد كان معنا جماعة من أدباء بيروت وطرابلس يستمعون.

فهذا مثل من أمثال مخادعة الاتحاديين لمسلمي سورية وأمثالهم، وما كل

من يسمع مثل ما سمعت يجيب بمثل ما أجبت، وإنني أرى أن زعماء الجمعية

ما أيقنوا بأنه يمكنهم الانتفاع من الجامعة الإسلامية إذا استخدموها باسم

حكومة الخلافة ونفوذها إلا بعد حادثة طرابلس الغرب، فقد سمعت ورويت

عنهم وأنا في الآستانة أنهم يقولون: لا ينفعنا مسلمو بلادها ولا غيرهم وإذا

حاربنا إنكلترة _ أي في مصر طبعا _ فلا يفيدنا مسلمو الهند شيئا. وكانوا هم

وغيرهم من رجال الدولة يعتقدون قبل حادثة طرابلس الغرب أن العرب فيها لا

يبالون بصلتهم بالدولة وربما فضلوا إيطالية عليها تفضيلا، وسلموا تسليما،

وإن سائر المسلمين لا يشعرون بألم انفصال هذه المملكة من ممالك الدولة.

يدل على هذا ما رواه بعض فضلاء العثمانيين عن رأي سفارة الدولة في

باريس حين أنذرت إيطالية الدولة ذلك الإنذار وأتبعته بضرب أسطولها

لطرابلس فذهبت إلى السفارة العثمانية لأتعرف رأيها وأعرض لها رأيي فقيل

لي: إنه لا شك في أن أهل طرابلس لا يأسفون ولا يأسون على زوال سلطتنا

عنهم؛ لأنهم ما رأوا منا خيرا قط. وقد تألفتهم إيطالية منذ سنين فهم يفضلونهاعلينا.

بل نقلت البرقيات والصحف عن محمود شوكت باشا وكذا عن أحمد مختار

باشا أنهما قالا: إن الدفاع عن طرابلس الغرب جناية؛ لأننا لا نجد طريقا لذلك.

هب عرب طرابلس للدفاع عن بلادهم والمحافظة على عثمانيتهم، وهب

العالم الإسلامي لمساعدتهم، فبدا لجمعية الاتحاد والترقي ما لم تكن تحتسب،

وأحبت أن تستفيد من هذه الأريحية الإسلامية. وكانت باعت طرابلس وبرقة

لإيطالية على شرط أن تأخذها بالفتح السلمي بعد أن تخرج منها العسكر

العثماني والسلاح، أي أن تترك الاسم والعلم للدولة العثمانية وتفعل في البلاد

ما تشاء. فغدرت إيطالية وتصدت لأخذها صورة وحقيقة بالقوة القاهرة؛ إذ

خلا لها الجو بإخراج العسكر والسلاح منها، فلما هب العرب للقتال، وهب

المسلمون كافة للمساعدة بالمال، وقام المبعوثون المعارضون للجمعية يتهمون

الوزارة الاتحادية بالخيانة ويطلبون محاكمة الصدر الأعظم حقي باشا وناظر

الحربية محمود شوكت باشا، وفي ذلك هتك الستر وانكشاف السر، ورأى

زعماء الجمعية أن الأمة العثمانية يوشك أن تثور عليهم إذا لم يبرئوا أنفسهم،

لما كان ذلك كله أرسلت الحكومة بعض الضباط وأمدتهم بأموال الإعانة وبما

يمكن من السلاح، وظهر للجمعية أن في الجامعة الإسلامية حياة يمكن

الاستفادة منها.

ومن العجائب أن الدكتور ناظم بك لم يقنعه ما سمع وما قرأ عن استبسال

عرب طرابلس وبرقة، وأريحية أهل مصر والشام وغيرهم من المسلمين،

واندفاع الجميع إلى السعي لإبقاء راية الهلال فوق تلك البلاد، بل أرسل زميله

رحمي بك إلى طرابلس ليختبر الحال، فلما عاد منها كان هو الذي أقنعه بأن

للجامعة الإسلامية وجودا وتأثيرا حقيقيا، فصرح الدكتور بذلك في خطبة له

رأيت ترجمتها في بعض الجرائد السورية، وأنا في البصرة عائد من الهند،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٦٧