تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لها. لقيته يتحدث مع فطين أفندي المدرس في دار الشفقة والمدير للمرصد

الفلكي الجديد في ضواحي العاصمة وكان يومئذ من صميم الاتحاديين، على

حين تركهم أكثر أمثاله من المعممين، حتى كان يشك في تدينه رجال الدين،

فقال لي: تعال احكم بيني وبين البك. قلت: ما خطبكما؟ قال: إن البك يقول:

إننا نحن العثمانيين لا يمكن أن نترقى إلا إذا نبذنا الدين وراء ظهورنا

وعصرنا العلماء عصرا، نمحقهم به محقا، وسرنا وراء فرنسة خطوة خطوة.

وأما أنا فقلت له: إننا يجب أن نأخذ من أوربة لا من فرنسة خاصة، الفنون

الصناعية والزراعية وكل ما نحتاج إليه للترقي العملي في دنيانا. وأما الأمور

المعنوية والأدبية فنرجع فيها إلى أصول ديننا ونستمدها منه. فقال: يجب أن

نأخذ عن فرنسة كل شيء فإن جميع ما عندنا فاسد وموجب للتدلي.

لا يحتاج القارئ إلى القول بأن رأي فطين أفندي هو الموافق لرأيي في

هذه المسألة وقلما رأيت أحدا أوجز وأفاد في تحرير هذه المسألة الكبيرة مثل

هذا الرجل، ولكنني سلكت في تأييده مسلك بيان السبب في هذه التفرقة

والخلاف بين المتعلمين، وتطرف بعضهم في التفرنج وبعضهم في الجمود

على القديم، وشدة الحاجة إلى المعتدلين الذين يعرفون القديم والحديث، أي

كفطين أفندي، وانتقلت من هذا إلى مشروع العلم والإرشاد الذي كنت أسعى له

هنالك وليس هذا المقال بمحل تفصيل القول فيه.

جميع زعماء الجمعية على رأي ناظم بك الذي ذكرناه آنفا، ولكن قلما

يوجد فيهم من يتجرأ على التصريح بمثله. وقد سمعت منه ومن غيره منهم

وعنهم غير ذلك ولولا ظهور قوة تأثير الدين لهم في الجيش يوم 31 مارس أو

13 أبريل لظهر من تهتكهم والجهر بمقاومتهم للدين أضعاف ما ظهر للناس

وما الذي ظهر بقليل، ونكتفي من ذلك بشيء مما يتعلق بالجند حذرا من

التطويل.

كانت الصلاة في العسكر أمرا إجباريا يتساهل فيه الضباط المارقون

والمرتابون في خاصة أنفسهم، وقد يتعدى ذلك إلى الجنود التابعين لهم. فإذا

جاء متدين منهم وشدد فيه لا يستطيع معارضته أحد لأنه رسمي. فلما دالت

الدولة للاتحاديين جعلوا الصلاة أمرا اختياريا وصاروا يوعزون إلى حزبهم

من الضباط بمنعها وإشغال العسكر عنها بالتمرين أو غيره من العمل في

أوقاتها، حتى في المدرسة الحربية العليا نفسها.

أخبرني من أثق بهم في الآستانة بهذا، وآخرون بخبر آخر أضر منه في

الجيش، وهو أنهم كانوا عند التنسيق العسكري يعنون بإخراج الضباط المتدينين

من الجيش وأكثر هؤلاء المتدينين من الذين ارتقوا إلى رتبة الضباط بالعمل

والتمرن في الجيش في إبان السلم والحرب سنين كثيرة ويسمونهم الألايلية

نسبة تركية إلى ألاي وكان عذرهم في إخراجهم أنهم غير متخرجين في

المكتب الحربي فمعارفهم غير قانونية. وقد أخرجوا بعض المتخرجين في

المكتب الحربي بعلل أخرى، كما أبقوا بعض الألايلية الذين اتبعوا هوى

الجمعية ولو كان عدد الضباط المكتبيين كافيا لعسكر الدولة لكان لهم في

إخراج من أخرجوا وجها للاعتذار وإن أضر ذلك بمالية الدولة وخسر به

جيشها طائفة من الضباط، يفضلون كثيرا من متخرجي المكتب الأحداث

والأغرار، أي الذين لا تجربة لهم.

وقد كان غرض الاتحاديين من تنسيق عمال الحكومة في جميع النظارات

والمصالح أن يخرجوا منها من شاءوا، ويبقوا من أحبوا، ليعلم كل فرد من

أفراد هذه الدولة أن جمعية الاتحاد والترقي هي ولية أمره وصاحبة السلطان

عليه، فيكون طوع يدها، ويؤدي لها ما عدا الضريبة الأولى ما فرضه

قانونها على كل منتم إليها، وهو اثنان في المائة من جميع دخله (إيراده) وقد

كانت خسارة الدولة بهذا التنسيق أكثر من ثلاثة ملايين جنيه في كل سنة

تعطى رواتب للمعزولين والمنسقين. وما كان الذين استحدثوهم خيرا من

الذين أخرجوهم، ولولا هذا التنسيق لكان للدولة في المال الذي خسرته به ما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٦١