ولكنني لا أفهم معنى معقولا لتعريض الدولة للموت في الحرب، ولا كيف
يكون هذا الموت شريفا في سبيل المحافظة على مدينة أدرنة كلها كما يقترح
بعض الكتاب، أو على نصفها كما تقترح وزارة محمود شوكت باشا الاتحادية.
إن موت الدولة ليس كموت رجل واحد يهان فيبارز من يهينه، وإن كان
أقوى منه لينتقم منه، أو يموت فلا يرى نفسه مهينا بين الناس، فإن الدولة
شخص معنوي وموتها عبارة عن خروج الحكم فيها من أيدي أهلها إلى أيدي
الأجانب، وأهلها الذين يعزون بحياتها ويشرفون، ويذلون بموتها ويهانون،
لا يموتون بذهاب الحكم منها ولا ينقرضون، فهم إذا يطلبون الوقوع فيما
يحذرون.
ألا إن من كتم داءه قتله، ألا إننا قد سئمنا الغرور والتغرير، ألا إننا قد
أصبحنا على شفا جرف، وسقوطنا في هاوية العدم منتظر في كل يوم، فلم
يبق عندنا شيء نخاف عليه من إظهار حقيقة حالنا لمن لا يعرفها منا. ألا إن
الحقيقة المجردة من لباس الزور والغرور هي أن هذه الدولة قد أمست بجهلها
وسرفها وغرورها وفقرها، ودهاء أوربة وعلومها وثروتها لا تستطيع أن
تعيش مستقلة عزيزة في عاصمتها بقوانينها وأنظمتها وتقاليدها، وبرجالها
الذين ربتهم أوربة لها، لأنها تربية مذبذبة لا هي إسلامية ولا أوربية، وإنما
تعيش في تلك العاصمة كما تريد أوربة، فلا هي قادرة أن تحفظ عاصمتها من
أوربة ولا الحرمين الشريفين ولا غيرهما من البلاد، ولا يمنع أوربة أن
تتصرف فيها، وهذه حالها، كما تريد إلا تنازع الدول الكبرى واختلافهن،
فمتى اتفقن على شيء أردنه كان الأمر مفعولا.
ألا إنني قد فطنت لهذا الأمر من قبل وقتلته بحثا وتفكيرا، ثم اقترحت
على الدولة من بضع عشرة سنة أن تجعل الآستانة مركزا حربيا وتجعل
عاصمتها دمشق الشام، فإن لم يقبل متعصبو الترك فقونية، وأن تتركهذا
التفرنج كله وتؤسس لها قوة آسيوية حربية أهلية من العرب والترك فتجعل
جميع أفراد الأمة مستعدين للحرب والكفاح للدفاع عن بلادهم وقت الحاجة.
ولكن افتتانها بعظمة اسم القسطنطينية وموقع القسطنطينية وتسمية نفسها دولة
أوربية، وما يتبع ذلك من لذات هذه المدنية، قد حال دون التفكر في هذا
الاقتراح وتنفيذه. وقد علمت في هذه الأيام أن بعض كبراء رجال الدولة اقترح
على السلطان عبد الحميد نقل العاصمة إلى الأناضول قبل الانقلاب الأخير بعدة
سنين وأن أحد كبار ضباط ألمانية الذين تولوا تعليم الجيش العثماني وتنظيمه قد
اقترح مثل هذه الاقتراح في الزمن الأخير، وأخشى أن يصدق عليه المثل: بعد
خراب البصرة، وجميع من أعرف من أهل الرأي العثمانية سيما الترك يرون
أن استمرار الحرب خطر، وليس له فائدة تنتظر، وسيظهر الصواب لجميع
البشر.
***
(حال الدولة ومستقبلها)
فاجأنا هذه الأيام نبأ مفزع وهو أن أنور بك الضابط الاتحادي هجم على
الباب العالي مع فتية من رجال جمعيته الفدائيين في حال انعقاد مجلس الوزراء
وقتلوا ناظم باشا ناظر الحربية والقائد العام وبعض الحاشية وأكرهوا كامل
باشا على الاستقالة فذهب بها أنور إلى قصر السلطان وعاد يحمل فرمان
تعيين محمود شوكت باشا [1] صدرا أعظم وناظرا للحربية، فكيف حال
دولة هكذا تسقط وزارتها وهكذا تنصب؟.
سنشرح في آخر هذا الجزء أخبار هذا الانقلاب، ونقول هنا: إن الخطر
على الدولة قد اشتد، وسواء عادت الحرب أو لم تعد، فإن الأمر بيد الدول
ولن تستطيع الدولة أن تعمل بقوتها شيئا، ولكن تبذل دماء ألوف كثيرة
وملايين من النقد بغير عوض ولا فائدة فتزداد ضعفا على ضعف، ويخشى أن
تستتبع فتنة أنور فتنة داخلية أكبر منها، واللعنة مسجلة من الله ورسوله على
موقظها، ثم ماذا؟
تمتص الآستانة في هذه الفرصة ما يمكن امتصاصه من وشل ثروة
الأمة العثمانية المسكينة، وما يمكن من أموال المسلمين المتمتعين بالثروة
والحرية وهم أهل مصر والهند، فلا يكون ذلك كله إلا كنقطة قليلة من الماء