يكون نافذ القول والأحكام لا سلطانا، ولهذا كتبا إليه كتابا ليلطلعاه على ما جال في
فكرهما فأبى السيد فيصل قائلا إنه سلطان وإمام معان، وإنه حر القول والفصل في
مملكته يعمل ما يشاء ويقول ما يشاء.
فلما بلغ ذلك الخبر إلى الشيخين امتعضا وانضم إليهما جمع شايعوهما في
أفكارهما ثم طلبوا جميعهم إلى السيد فيصل أن يقطع دابر المومسات من مسقط
وعمان وأن يمنع شرب المسكرات والدخان وتجول المبشرين في تلك البلاد إلى
غير هذه المطالب، فأبى كل الإباء قائلا: إن الإنسان خلق حرا ولا يحق لي أن
أقيده بقيود.
فلما رأوا أنه رفض كل ما طلبوه منه اجتمع الشيخ عبد الله السالمي والشيخ
عيسى بن صالح والشيخ عبد الله بن سعيد وعقدوا مجلسا خفيا في سمائم من بني
الرحية [1] وقرروا أن يبعثوا الشيخ عبد الله بن حميد إلى جميع ديار عمان ليدعو
أهلها إلى النهوض مع الشيوخ المذكورين وإلى محاربة السيد فيصل لكونه أبى تلبية
مطالبهم. فجرى الأمر على ما قرروه ومكنوا الصلح في قبائل عمان المختلفة
وربطوا بعضها ببعض ليكونوا يدا واحدة على السيد السلطان، ثم سار الشيخ عبد الله
بن حميد إلى تنوف [2] بليدة قريبة من نزوة وواجه شيخها حمير الإمامي الذي أمر
للحال بجمع علماء الإباضية وذاكرهم في الأمر فقر رأيهم على تعيين إمام ومبايعته
فأقاموا عليهم الشيخ سالم بن راشد الخروسي [3] ودخلوا نزوة سرا ودعوا سكانها إلى
المبايعة فبايعوا الإمام وكان في مقدمتهم بنو يام والكنود [4] .
فلما بلغ الخبر أمير نزوة وهو السيد سيف بن حمد من أبناء بني سعيد هجم
عليهم بعسكره كبحا لجماحهم، لكنهم أبلوا بلاء حسنا وقتلوا من بني سعيد خاصة
أكثر من 25 رجلا وجرحوا الوالي ثم بعد ذلك أخذت نزوة، أو قل: سلمت نفسها
بدون ممانعة لضعف أهلها وقوة محاربيهم، وللحال أخرجت العساكر من القلعة
الحصينة [5] واحتلها أتباع الإمام.
أما الوالي فإنه لما رأى الحال على تلك الصورة لجأ إلى أحد المساجد فطلبوا
إليه أن يطاوع الإمام، وألا يعامل معاملة الأسرى، فاستمهلهم ساعة قبل الجواب
فلما أمهلوه انتحر.
قبض الإمام على زمام الأمر في نزوة، ولما قرت فيها قدمه أرسل يقول
لسكان بيت سليط [6] إما الطاعة وإما الحرب فسالموه وأطاعوه. ثم سار وقد قسم
جنده إلى طائفتين وجه الطائفة الأولى إلى بركة الموز [7] والطائفة الأخرى إلى
الرستاق [8] وما كادت تصل تلك الجنود إلى تلك الديار إلا وانقاد سكانها للهاجمين
بدون معارضة ثم زحفوا على بلاد الحزم [9] فبايع أهلها الإمام ثم زحفوا إلى ولاية
العوابي [10] ، فلم يقاومهم فيها أحد، وفي تلك الأثناء كانت الطائفة الثانية من الجند
قد زحفت من بركة الموز إلى ولاية تركي [11] ، وقالوا لواليها: إن أنت وافقتنا
على أمرنا أقمناك إماما. فسلمهم القلعة بدون محاربة وللحال لفوا رأسه بعمامة
وقالوا له: كن مستعدا لأن تكون خليفة بعد إمامنا هذا.
لما سمع السيد فيصل هذه الأمور جيش جيشا فيه 5 آلاف جندي وأمر عليه
ابنه السيد نادر فلما وصل إلى قرب موقع الإمام الجديد في سمائم قلب له جيشه
ظهر المجن فانحاز إلى جيش الخصم ولم يبق معه إلا فرقة من البلوص وأولاد بني
سعيد وكلهم لا يتجاوز عددهم التسعين، فلما رأى هذه الخيانة لجأ إلى حصن سمائم
فدخله ولبث فيه محصورا منتفعا بالمدافع التي كانت هناك دفعا لهجمات عدوه
الشديدة.
أما قبائل ذلك الموطن فإنها لم تنفعه فتيلا لأنها كانت خانته وانحازت إلى
الإمام الجديد الذي اشتد ساعده لما رأى من الفوز المبين، ومع ما توفق له من
انضمام القوم إليه لم يستفد من محاصرة السيد ناذر عظيم فائدة لأنه كان يدحرهم شر
دحر بما كان يمطره عليهم من قذائف مدافعه، ولهذا رأى الإمام من الأوفق له أن
يتركه وشأنه ويحاصر البلد محاصرة ضيقة بحيث يبقى السيد ناذر وهو في حصنه