تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن وجود مثل هذه الحالة في شبه جزيرة العرب كان من شأنه تحطيم وجود الأمة

الاجتماعي بأسره، إلا أن الله قيض لها من يرفع شأنها ويأخذ بيدها من هذه الوهدة،

فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ورفع من شأن المرأة فارتفع البناء الاجتماعي

بأكمله.

لقد كان مركز المرأة بين اليهود والعرب في أقصى دركات الانحطاط، فقد

كان شأن الموسوية في بيت أبيها شأن الخادمة، كان والدها يستطيع أن يبيعها بيع

السلع، وكان إخوتها يستطيعون أن يتصرفوا فيها كما يشاءون بعد موته، وأنكى

من ذلك أنه كان لا يحق لها إرث أبيها إذا لم يكن له خلف من الذكور، أما بين

العرب الذين كانوا كثيري الاحتكاك بجيراهم المتحضرين فقد كانت قيمتها عندهم

قيمة المتاع الصرف، أي كانت المرأة جزءا من أملاك الوالد أو الزوج، ومن

تترمل من نساء الآباء تصبح فيما بعد من نساء الأبناء بحق الإرث. ومن هنا نعلم

معنى كلمة نكاح المقت التي ذكرتها الشريعة الإسلامية في شأن من يتزوج من

الأبناء بنساء الآباء حينما حرمت على العرب تلك العادة، ولقد بلغ من كراهية

هؤلاء القوم للإناث من أولادهم أنهم كانوا يحرقونهن [1] أحياء. وهذه العادة أبطلها

النبي كما أبطل عادة ذبح الأطفال ضحية للآلهة.

هذا، أما في إمبراطوريتي الفرس وبيزنطة فقد كان شأن المرأة من الانحطاط

شأنها في كل ما جاورها من البلاد، وإنه في ذلك الوقت الذي كان فيه البناء

الاجتماعي للعالم يتهدم من كل جانب، وفي ذلك الوقت الذي أخذت فيه الصيحات

ترتفع من كل فج طالبة الإصلاح الحقيقي للمجتمع، في ذلك الوقت الذي اقتنع فيه

العالم كافة بنقص القوانين والشرائع الموجودة حينئذ، أقول في ذلك الوقت العسير

جاء النبي بإصلاحاته وأخذ يدعو الناس إلى العمل بها. وإن من يتأمل في تلك

الإصلاحات يرى أن احترام المرأة ركن من أركانها الهامة، وعماد من عمدها

القويمة، وإنه ليكفينا أن نبرهن هنا على تأثير هذه التعاليم الجديدة في أخلاق من

تبع هذا النبي الكريم من العرب بما كان من احترام هؤلاء القوم لابنته وحبهم لها

حبا جعلهم يلقبونها بسيدة الجنة وسيدة النور، وهذا تحول غريب بالنسبة لمعاملة

المرأة وتغيير معتقدهم فيها ولا ينبغي أن ننسى مع ذلك أن تأثير هذه التعاليم في

أخلاق النساء أنفسهن قد أكسبهن ذلك الاحترام، فمن ذا الذي لم يسمع عن ربيعة

وآلاف غيرها من النساء الفضليات.

هذا، وإن من الشرائع التي جاء بها النبي في شأن النساء ما كان من إبطاله

عادة التزوج بشروط، وإنه إن يكن قد أباح الزواج المؤقت أولا فإنه حرمه في

العام الثالث من الهجرة، ولقد أعطى النساء فوق ذك حقوقا ما كانت لهن من قبل،

وأهم تلك الحقوق ما كان من مساواته لهن بالرجال في تقلد وظائف القضاء بين

الناس، زد على هذا أنه قيد عادة تعدد الزوجات بقيود هي عين النهي المطلق،

فإنه، على كونه خفض عدد النساء اللاتي يصح للرجل التزوج بهن معا إلى أربع

فقط، قد اشترط لذلك المساواة التامة بينهن تطبيقا للآية الشريفة {فإن خفتم ألا

تعدلوا فواحدة} (النساء: 3) ولقد كانت هذه الآية التي تلت آية الإذن بالتزوج

بذلك العدد [2] موضوع بحث المفكرين من علماء الإسلام في العالم أجمع، فإن

العدل والمساواة بين النساء ليس معناه المساواة بينهن في المأكل والملبس فقط، بل

يقتضي المساواة في الحب [3] والإخلاص لهن جميعا، ولما كانت المساواة في

مسائل الشعور والإحساس هي عين المستحيل يكون هذا الشرط في منزلة المنع التام

للتزويج بأكثر من امرأة واحدة، ولقد أخذ بهذا الرأي فعلا طائفة المعتزلة في أيام

حكم المأمون، وعلموا الناس أن الإسلام يقضي بالتزوج بامرأة واحدة، وإنه إن

تكن المطاردات العنيفة التي طاردهم بها المتوكل قد وقفت انتشار هذه الآراء

الصائبة في العالم الإسلامي، فلا ريب في أن الطبقات المستنيرة من المسلمين ظلت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٤٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٤٠٨