من عبيد القرون الوسطى أو كمجرم محكوم عليه بالنفي، وما من أحد في الكون
يرضى بحرمانه من أهم قوة في الحياة بها يبث شعائره ويعبر عن أفكاره، وما
الحرمان من ألقاب الشرف بشيء بالنسبة إلى الحرمان من اللغة الحاصلة، وتقييد
الأرجل بالقيود ليس بشيء بالنسبة إلى تقييد اللسان الذي به تحسب قوى العقل في
قفص يمنعها من الظهور والانتشار ويشل حركتها ويقتلها في المحيط المفسد بسياسة
الظلم. فنكران اللغة نكران للأنانية لا يرض به إلا من سفلت طباعه وتدنى إلى أن
ينحني ويعفر وجهه بالتراب أمام الهيئة الحاكمة المستبدة ويضحي حقوقه ويدوس
على أقدس عاطفة من عواطف الجنسية، وعلى أن مثل هذا السافل أو الجبان قليل
في العالم؛ لأن الأكثرية تتمسك بلغتها وتدافع عنها كما تدافع عن حياتها وتقاوم كل
قوة تعمل لإذلالها. ويمكن للأمة الحاكمة أن تجعل لغتها اللغة الرسمية وأن تمنع لغة
الأمة المحكومة من المحاكم والمدارس والكنائس والجمعيات والمعاملات ولكنها لا
تستطيع أن تمنع حركة الأفكار التي تهيأ لنسف بناء تلك السياسة بعد أن أصبح
سجنا لا مسحة عليه من الإنسانية بدلا من أن يكون ملجأ لتقوية الضعيف وتخفيف
آلامه.
لا يمكن أن نقنع إنسانا ذا عقل سليم بقطع رأسه ولا تستطيع شريعة أن تقنع
أمة حية بترك لغتها ومظهر عقلها الخاص، وكل مملكة تحتوي على جنسيات
متعددة لا بد من وقوع التنافر والشقاق فيها وإذا تكافأت فيها القوات تجزأت وانحلت.
فما هو العلاج الشافي لذلك؟ هذه مسألة من أعقد المسائل الاجتماعية التي حارت
في حلها الأفهام وهي لا تحل إلا بالطرق الراهنة التي لا إشكال فيها ولا تمويه.
أفضل حل يرتئيه رجال السياسة هو اللامركزية بكل معانيها المتسعة وهو حل
مقبول يجب التسليم به إلى أن يظهر أفضل منه لأنه نظري أكثر مما هو عملي،
فاللامركزية قد يمكن تطبيقها والعمل بها في المملكة التي تحتوي جنسيتين
متساويتين عددا وقوة وارتقاء بحيث يستطاع التساوي والتفاهم بينهما كما في
بلجيكا، ويعسر أو يستحيل في المملكة التي يكثر فيها الجنسيات كما في النمسا التي
تحتوي على أكثر من عشر جنسيات متباعدة ومتنافرة بحيث لا يتألف منها مجموع
مندمج في جسم المملكة لأن التساوي بين العناصر المتعددة يقضي باستعمال كل لغات
البلاد في كل الإدارات من مكتب بوسطة القرية إلى الوزارة ومن غرفة قاضي الصلح
إلى محكمة النقض والإبرام ومن اللجان البلدية إلى المجالس النيابية عدا ما يوجب
من إنشاء المدارس الابتدائية والثانوية والعالية لكل عنصر والسعي لتهذيب آداب
كل لغة ومكافأة النبوغ في كل منها. وتلك مطالب لا يمكن تحقيقها والعمل بها لأن
ذلك تجزئة للمملكة وتفكيك للروابط التي تربط عناصرها بعضها ببعض.
ولا يمكن لمملكة تكثر فيها العناصر أن تستغني عن لغة للمملكة تكون اللغة
الرسمية فالعنصر الذي تكون هذه لغته يصبح سائدا والعناصر الأخرى مسودة
فتتفاوت الحقوق وتمتنع المساواة؛ لأن الشريعة تطلق لسان البعض وتخرس لسان
البعض الآخر وتقسم أبناء الوطن الواحد إلى قسمين أحدهما وطني حميم والآخر
نصف وطني.
رأينا مما تقدم أن اللغة مطلب حيوي لا ينال بالاتفاقات المبرقعة والعقود
المعوجة، وإن عقدة الإشكال فيها لا تحل إلا بالطرق التي ذكرناها حلا يرضي
الجنسيات على اختلافها لما ظهر لنا فيها من الإشكال والتعقيد وصعوبة التطبيق،
فالحل الصادق الصحيح هو القوة؛ لأن كل ما عداها لا يفيد إلا لتهدئة ثائر الخواطر
إلى أجل معلوم؛ لأن تنازع اللغة كتنازع البقاء لا بد من أن يجري مجراه وينتهي
بالهزيمة أو بالموت أو بالفوز، ويجب على المطالب بهذا الحق الحيوي أن يقبل
الوعود بالامتيازات وأن يرفض الاقتراحات للتسوية والتراضي، فإما لا شيء وإما
كل شيء.
بدأ تنازع الجنسيات منذ آلاف من السنين وكمن في ما مضى من الزمان كما