تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن عشر سنين، أما منشئها الحقيقي فهو مبارك بن الصباح أمير الكويت ذلك

السياسي الشيخ، والمحارب المنيع الجانب الذي ينبسط نفوذه على أكثر جهات بلاد

العرب مع أنه لم يطمع بأرض خارجة عن حدود مسقط رأسه.

وبيان الأمر أن المصريين بعد أن أخمدوا الحركة الوهابية وأسقطوا أمراءها

بني السعود، انتقلت السيطرة على أواسط بلاد العرب إلى أيدي أمراء بني الرشيد

الذين جعلوا عاصمتهم بلدة حائل في قلب شبه الجزيرة العربية وحكموا هناك سبعين

سنة، وقد كانوا أقوياء الجانب أجرياء.

وفي أوائل القرن الحاضر كان أميرهم المقيم في حائل ذا مطامع تتجاوز قوته

فدعا نفسه ملك بلاد العرب وباشر الزحف على خليج فارس وهدد الكويت فخرج

الأمير مبارك بن الصباح من عاصمة إمارته الصغيرة لملاقاته وقتاله فقاتله وانتصر

عليه، وتعقب رجاله المغلوبين حتى منتصف الطريق عبر بلاد العرب واستولى

على حائل عاصمة ولايته وكان غرض الأمير مبارك من هذه الغارة تأديب ابن

الرشيد فقط لا بسط حكمه على نجد ولذلك قفل راجعا، وعند رجوعه إلى الكويت

أخذه ابن الرشيد على غرة فإنه جمع جموعه وباغت رجال الأمير مبارك ليلا وهم

يعبرون معبرا صخريا وضربهم ضربة قاضية فقتل منهم خلقا كثيرا، والذين نجوا

من الموت في هذه المعركة ترادف كل ثلاثة منهم على متن جواد ووصلوا سالمين

إلى الكويت.

غير أن الأمير مباركا كان شجاعا جريئا فأضمر الشر لابن الرشيد ودعا أبناء

أسرة السعود الوهابية التي أسقطها المصريون وعالهم وآواهم وأعطاهم مالا وسلاحا

وأرسلهم إلى الصحراء العربية لاسترجاع مملكتهم المفقودة.

وكانت لابن رشيد عاصمتان الحائل في الشمال والرياض في الجنوب فزحف

أحد شبان أسرة ابن السعود على الرياض وكان يجمع الرجال في مسيره حتى بلغ

عددهم ثلاثة آلاف وقد توقف بهم سرا في إحدى القرى القريبة من الرياض، وهجم

تحت ظلام الليل على المدينة بخمسين فارسا باسلا لا يهاب الموت.

وقد وقعت هذه الحادثة من مضي عشر سنين وبهؤلاء الفرسان الخمسين

تجددت ولاية ابن سعود، فإنهم عند وصولهم إلى باب المدينة جعلوا رئيس الحراس

يفتحها لهم بخدعة حربية ولما دخلوا أعملوا المهاميز في شواكل خيولهم، واجتازوا

أسواق المدينة بسرعة البرق، وهجموا على قصر الحاكم ابن الرشيد وذبحوه،

وعند انشقاق عمود الفجر دخل بقية رجالهم وجددوا الولاية الوهابية في تلك الجهة.

وقد حصر ابن الرشيد ثلاث سنين في مدينة حائل، ولكن ابن السعود انتصر عليه

في آخر الأمر وقهره في إقليم قاسم على منتصف الطريق بين المدينتين.

أما المعركة الأخيرة التي نشبت بين رجال ابن السعود من جهة ورجال ابن

الرشيد وبعض الجنود العثمانية من جهة أخرى، فقد أسفرت عن انتصار الأولين،

وقتل ابن الرشيد بثلاثة سهام أصابه أحدها في فخذه فسمره بسرج جواده، وقد أبلى

رجال ابن السعود في هذه المعركة بلاء حسنا فكانوا لا يرمون سهما إلا بعد معرفتهم

أنهم سيصمون به رجلا من أعدائهم.

وكانت نتيجة المعركة أن ابن السعود صار مسيطرا على كل نجد، وتم له ما

أراد من مضي عهد طويل من إخراج الأتراك من بلاد العرب وإرجاعهم إلى خليج

العجم، ولكن انتصاره هذا لا يدل على تجدد الحركة الوهابية الحقيقية، بل هو

تجدد مؤقت لها، كما أنه لا ينوي إعلان جهاد جديد؛ لأن العالم لم يعد يرى بعد

تيارا سريعا من القوات الإسلامية متدفقا من رمال بلاد العرب.

نعم إن عرب البادية هناك يتضامون، ولكنهم غير متحدين اتحادا يستطيعون

به إيقاد حروب وفتوحات، ولا تجول في صدورهم حمية دينية كافية لأن تمكنهم

من إعلان جهاد جديد أو إرغام غير المسلمين بالقوة، ولكن تجدد قوتهم يبطن خطرا

على الأتراك، ولذلك ترى أصدقاء تركيا المخلصين لها ينصحون لها بنية صافية

أن تصالح ابن السعود الذي يعتقد أنه يميل إلى مفاوضة السلطان بطاعة واحترام،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٦ · الصفحة ٣٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٦ · ص ٣٣٩