وخداعهم، وأشراك غشهم واحتيالهم.
وليعلم المسلمون - حيث ما كانوا وأينما وجدوا - أن كل دولة تنشأ لهم في أي
بقعة من بقاع الأرض وفي أي زمن من الأزمان، إذا لم يكن العرب بناة
أساسها، وأركان بنائها وعمد صروحها، ومدبرو أمورها ومديرو حركتها، واليد
العاملة فيها والقوة التي ترتكن عليها، والروح التي تسري في مفاصلها، والأصل
الذي تتفرع عنه أغصانها وتنمو عليه أفنانها، فهي دولة لا تدوم ولا تحسن حالها
ولا تسعد رعاياها، ولا يعتز بها الإسلام، ولا يبث هديه وإرشاده بواسطتها بين
الأنام، ولا تقوم بما ندب إليه العرب رب العالمين، من جعلهم هداة مرشدين
وأئمة وارثين وزعماء مصلحين، وقادة ناصحين وسادة عادلين.
وكما لا يعتز الإسلام بقيام دولة مثل هذه، ولا يتمكن من أداء وظيفته على
يديها، فكذلك لا يفجعه سقوطها ولا يؤلمه هبوطها، ولا يؤثر فيه انحلالها ولا
يضره زوالها، فقد اعتز العنصر الفارسي عصورا ثم سقط، واعتز العنصر
التركي دهورا ثم هبط، ولكنهما أهملا دعوة الإسلام أيام عزهما بل عطلا كثيرا من
أحكامه وتركا أكثر تعاليمه، فلم يكن سقوطهما مدعاة إلى اليأس من الإسلام نفسه،
وإنما كان صدمة شديدة وزلزالا عظيما على المسلمين في هذا العصر، لم يقل أحد
إنه سقطت به المدنية الإسلامية، فضلا عن الدعوة المحمدية، كفاجع سقوط العرب
في الأندلس، ذلك الفاجع الذي قوض صروح السعادة، سعادة المدنية الفاضلة مدنية
الإسلام الكاملة من أوربا، وقضى على آمال العالم الإنساني عامة والإسلامي خاصة
من نشر الدين في هاتيك الربوع، وبث هدايته بين تلك الجموع، مما لو تم لعمت
هذه السعادة كل الناس، ولفاز بالحسنيين جميع الشعوب والأجناس، ولساد الصلاح
في البشر، وزال الفساد من البر والبحر.
نعم إن العنصر العربي جار عليه الظالمون وأنهك قواه المعادون، ومزق
وحدته المارقون، وفرق كلمته المنافقون، وعادى بين أمرائه المبطلون، وضرب
بعضه ببعض المعرضون، وسعى في تبديده الساعون، حتى أزهقوا روحه الأدبية،
وحالوا بينه وبين كل قوة مادية أو معنوية، ومنعوا عنه العلوم والمعارف،
وسلبوا منه التالد والطارف، وسدوا في وجهه المنافذ، وضيقوا عليه المسالك،
وأفسدوا حالته الاجتماعية وأحاطوا به بكل شر، وصدوا عنه كل خير: {وأرادوا
به كيدا فجعلناهم الأخسرين} (الأنبياء: 70) ، {كم تركوا من جنات وعيون *
وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما
بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} (الدخان: 25-29) .
لكنه مع كل ذلك لا يزال أصلح العناصر الإسلامية للقيام بأمر الإسلام وإعادة
مجده إلى الأنام، وصيانة هيكله من الانهدام، بل رفع مقامه فوق كل مقام، وبث
دعوته وتجلية حقيقته وإصلاح الأنام به وإسعادهم بتعليمه، إذا كفر عن سيئاتهم
المسيئون، وتاب عن خطيئاتهم الخاطئون، وثاب إلى رشدهم المفتونون، ورجع
عن إغوائهم المغوون، وترك إفسادهم المفسدون واستبدلوا الوفاق بالنفاق، والاتحاد
بالشقاق، والتعارف بالتناكر، والتآلف بالتنافر، والمحبة بالبغضاء، والإخلاص
بالرياء، والصلح بالعداء، والإصلاح بالإفساد، والتقرب بالابتعاد، والمساعدة
بالاضطهاد، والتقوية بالإضعاف، والموازرة بالإرجاف، ثم أطلقوا لهذا الشعب
الكريم الحرية، وبثوا بين أبنائه الأذكياء المعارف والعلوم العصرية، وفتحوا لهم
أبواب التجارة، ومكنوهم من أسباب الحضارة، وساعدوهم على إصلاح أراضيهم
الواسعة المباركة، وعاونوهم على تفجير ينابيعها والانتفاع بمياه أنهارها المتدفقة،
وتنمية مزروعاتها واستغلال خيراتها، واستخراج كنوزها، وتأمين السابلة،
وتقريب طرق المواصلة، وتنظيم السبل وتسهيل التنقل، وتشييد المعامل الصناعية
عليها، وترغيب أبناء البلد فيها، وتنشيط عمالها، وترويج مصنوعاتها، وتنظيف